قال الدكتور مصطفى حجازي، المفكر الاستراتيجي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية للشئون الاستراتيجية والسياسية، إن العالم يتجه نحو تحول جذري في طبيعة الاقتصاد، مع صعود البيانات والمعلومات باعتبارها مصدرًا جديدًا للقيمة والقدرة على إنتاج الثروة، مشيرًا إلى أن التطور التكنولوجي يطرح تصورات بشأن مستقبل النقد التقليدي والعمل والعلاقة بين أصحاب الأعمال والعاملين.
وأضاف حجازي أن إيلون ماسك يتوقع وجود ما يتراوح بين 100 مليون ومليار روبوت بشري، قادر على الحركة وأداء المهام بطريقة تشبه الإنسان، بحلول عام 2031، موضحًا أن هذا التصور يرتبط بتوقعات بشأن قدرة الروبوتات على إنتاج كميات كبيرة من السلع والخدمات، بما قد يعيد تشكيل أنماط الاستهلاك والإنتاج، ويطرح تساؤلات حول الدور المستقبلي للنقد في النشاط الاقتصادي.
وجاءت تصريحات حجازي خلال مشاركته في الصالون الفكري الذي ينظمه معهد التخطيط القومي للعام الأكاديمي 2026 /2027، تحت عنوان "السيادة في عصر الذكاء الاصطناعي"، لمناقشة تأثير التطورات التكنولوجية المتسارعة على مفهوم السيادة والاستقلال الاستراتيجي، وانعكاساتها على الفرد والمجتمع والدولة والاقتصاد.
المعلومات عملة جديدة للاقتصاد
وأوضح حجازي أن التحولات التكنولوجية تعيد تشكيل الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد، بعدما ارتبطت القوة الاقتصادية تقليديًا بالموارد المادية والطاقة والقدرة الإنتاجية، في حين أصبحت البيانات والمعلومات عنصرًا رئيسيًا في خلق القيمة وتطوير الأنشطة الاقتصادية.
وأشار إلى أن هذا التحول يفرض إعادة النظر في مفهوم الثروة وأدوات إنتاجها، معتبرًا أن المعلومات يمكن أن تصبح بمثابة العملة الجديدة للاقتصاد، في ظل تزايد الاعتماد عليها في تطوير المنتجات والخدمات، واتخاذ القرارات، وبناء نماذج أعمال جديدة.
وأضاف أن هذا التغير لا يقتصر على طبيعة الموارد الاقتصادية، بل يمتد إلى هيكل سوق العمل والعلاقة التقليدية بين صاحب العمل والأجير، مع احتمالات خروج أعداد من العاملين من وظائفهم نتيجة التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الآلية.
ولفت حجازي إلى أن التحولات المتوقعة في سوق العمل دفعت إلى طرح أفكار تتعلق بتوفير حد أدنى أو دخل أساسي للأفراد، في ظل المخاوف من فقدان وظائف نتيجة التطور التكنولوجي.
وأوضح أن بعض التصورات المطروحة تربط هذه الفكرة بمسئولية الشركات التكنولوجية تجاه المجتمعات، في وقت تواجه فيه الشركات تساؤلات بشأن التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للتقنيات التي تطورها.
وأكد أن هذه النقاشات تعكس تحولًا أوسع في بنية الاقتصاد، إذ لم تعد العلاقة بين العمل والدخل والإنتاج تسير بالضرورة وفق القواعد التقليدية نفسها، مع ظهور تصورات جديدة بشأن كيفية توزيع الموارد وتوفير احتياجات البشر في عصر الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
التكنولوجيا جزءًا من سيادة الدول
وفي حديثه عن البعد الجيو تكنولوجي، أكد حجازي أن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا أساسيًا في مفهوم السيادة، ولم تعد مجرد قطاع اقتصادي أو مجال تقني منفصل عن الاعتبارات الاستراتيجية.
وأشار إلى أن مراكز البيانات العملاقة لا تنشأ فقط لحفظ معلومات الدول وحمايتها، بل يمكن أن تمنح الدول التي تستضيفها قدرات مؤثرة في إدارة البيانات ومعالجتها، خاصة عندما تعتمد دول أخرى على هذه البنية التحتية الرقمية في تشغيل خدماتها وأنظمتها.
وأضاف أن امتلاك التكنولوجيا والتحكم في البنية التحتية الرقمية أصبحا من العوامل المؤثرة في استقلال القرار الوطني، محذرًا من أن الاعتماد على تقنيات لا تخضع لسيطرة الدولة قد يحد من قدرتها على التحكم في بياناتها وأدواتها الاستراتيجية.
واستشهد حجازي بمكانة شركة "إنفيديا" المتخصصة في إنتاج الرقائق الإلكترونية، موضحًا أن الرقائق أصبحت مكونًا أساسيًا في منظومات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يمنح التكنولوجيا دورًا يتجاوز حدود الصناعة التقليدية إلى التأثير في موازين القوة العالمية.
البيانات الشخصية تتحول إلى سلعة
وعلى المستوى الفردي، أوضح حجازي أن السيادة الشخصية تواجه تحديات متزايدة نتيجة جمع البيانات التي يقدمها المستخدمون عبر الإنترنت، سواء من خلال عمليات البحث أو المحتوى الذي ينشرونه أو تفاعلاتهم الرقمية.
وأضاف أن هذه البيانات يمكن أن تستخدم في بناء ملفات تفصيلية عن الأفراد، بما يسمح للشركات بفهم سلوكهم وتفضيلاتهم وتوجيه أنماط استهلاكهم، مشيرًا إلى أن المستخدم قد يعتقد أنه يستفيد من الخدمات الرقمية مجانًا، بينما تصبح بياناته في الوقت نفسه موردًا اقتصاديًا تستفيد منه الجهات التي تجمعها وتعالجها.
وشدد على ضرورة التعامل مع هذه التحولات باعتبارها واقعًا قائمًا، وليس مجرد سيناريوهات افتراضية، مؤكدًا أن فهم آليات استخدام البيانات يمثل خطوة أساسية للحفاظ على قدرة الأفراد على اتخاذ قراراتهم باستقلالية.
مخاوف بشأن الترابط المجتمعي
وحذر حجازي من أن تأثير التكنولوجيا لا يتوقف عند الفرد أو الاقتصاد، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية، خاصة مع تنامي اعتماد بعض المستخدمين، ومن بينهم الأطفال، على الألعاب والمنصات الرقمية للحصول على الشعور بالقبول والراحة والتفاعل.
وأوضح أن هذا الاعتماد قد يؤثر في طبيعة العلاقات الإنسانية ومصادر الدعم الاجتماعي، معتبرًا أن الحفاظ على الترابط المجتمعي يمثل أحد التحديات الرئيسية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
ودعا إلى تجاوز تفسير هذه الظواهر من منظور المؤامرات وحده، والتعامل معها من خلال فهم آليات التأثير الرقمي وكيفية توجيه المحتوى واستثمار الاتجاهات والمشاعر السائدة داخل المجتمعات.
مصر ليست متأخرة إذا قررت المشاركة
وفيما يتعلق بقدرة مصر والدول النامية على مواكبة التطورات التكنولوجية، قال حجازي إن هذه الدول ليست بالضرورة متأخرة إلى الحد الذي يمنعها من المشاركة في بناء المستقبل الرقمي، مشيرًا إلى أن جوهر المنافسة يرتبط بالقدرة البشرية على الابتكار والتطوير.
وأوضح أن عددًا كبيرًا من العقول التي تسهم في تطوير التقنيات الحديثة يأتي من دول نامية، من بينها الهند ومصر، ما يعكس وجود إمكانات بشرية يمكن الاستفادة منها في بناء القدرات التكنولوجية المحلية.
وأكد أن التحدي لا يتعلق فقط بتوافر الكفاءات، بل بوجود قرار يسمح لها بالمشاركة في تطوير التكنولوجيا وصياغة السياسات المرتبطة بها، إلى جانب توفير مساحة أوسع لتفاعل الأفراد والمجتمعات مع القضايا المستقبلية، مشددًا علي ضرورة التعامل مع التحولات التكنولوجية بواقعية، وإعادة النظر في المفاهيم التقليدية للسيادة والقوة والاقتصاد، بما يتيح للدول والمجتمعات الاستعداد للتغيرات المقبلة بدلًا من الاكتفاء بالدهشة من سرعتها.
- مصطفى حجازي: 50 مليارًا حجم مراكز المعلومات العملاقة في عصر الذكاء الاصطناعي
- «مصر الرقمية» تناقش رقمنة الخدمات الحكومية والذكاء الاصطناعي وتكامل البيانات بمنتدى مصر 2026
- وفد من مجلس النواب المغربي يطلع على جهود سدايا في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي
- «تريند مايكرو» تتعاون مع «إنفيديا » لتأمين مراكز البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالمنطقة الفجر سبورت
- "الجهورية الجديدة" تتغلب عليها.. 10 مخاطر لـ "الحوسبة السحابية" والذكاء الاصطناعي الفجر سبورت






