زيارة ماكرون إلى لبنان بين زيارة فيروز والوصاية وموقف الساسة

SputnikNews 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

وتأتي هذه الزيارة بعد تكليف السفير اللبناني في ألمانيا مصطفى دياب بتشكيل الحكومة الجديدة. وكان ماكرون قد استهل الزيارة بلقاء المطربة اللبنانية فيروز في منزلها، هذه الزيارة التي تأتي عشية احتفال لبنان بمئوية دولة لبنان الكبير.

رمزية زيارة فيروز

وصرح ماكرون بعد خروجه من منزل فيروز بأنه قد وعدها كما وعد جميع اللبنانيين، بأنه سيبذل كل شيء حتى يتم تطبيق إصلاحات في لبنان، وبأن يحصل البلد على ما هو أفضل.

وحول رمزية ومعنى زيارة رئيس دولة كبرى مثل فرنسا لفيروز يقول المحلل السياسي توفيق شومان في حديث لوكالة "سبوتنيك": اللقاء الأول للرئيس الفرنسي بالسيدة فيروز متعلق بأنها كانت آخر العناصر الفنية والإنسانية والوطنية التي يتوحد ويجمع اللبنانيون حولها، بالإضافة إلى أن الفن الفيروزي هو فن متجاوز للحدود اللبنانية والعالمية.

ويتابع: أعتقد أنه حاول التقاط هذه المسألة من خلال البعدين الوطني والمحلي اللبناني، وأيضا فيما يتعلق بالثقافة الفرنسية وما يرتبط أساسا بالفنون، وقد أراد ماكرون إيصال هاتين الرسالتين للمجتمع اللبناني أولا وللمجتمع العالمي ثانيا.

فيما يقول المحلل السياسي بشارة خير الله في لقائه مع "سبوتنيك": فيروز تحمل الجنسية اللبنانية ولكنها عابرة للحدود والبلدان والمذاهب والأديان، وهي أسطورة ولا يمكن مقارنتها بأي شخصية سياسية، وهي قيمة فريدة من نوعها في العالم، ولا نستطيع مقارنتها بأي شخص آخر، وما فعله الرئيس ماكرون شيء طبيعي جدا، وهو تقدير لهذه الشخصية العظيمة.

بينما يرى أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدكتور جمال واكيم وفي اتصال مع "سبوتنيك"، بأن فيروز ترمز إلى لبنان بمختلف طوائفه وفئاته، فهي رمز وطني، يكمل: بالتالي أعتقد أن زيارة ماكرون لها عشية إعلان لبنان الكبير تحمل دلالة كبيرة للأهمية التي توليها فرنسا لسلامة الكيان اللبناني.

ويتابع واكيم: فرنسا كان لها دور أساسي ليس فقط في إعلان دولة لبنان الكبير بل هناك علاقة تجمع فرنسا بمنطقة جبل لبنان منذ القرن السابع عشر، ونتيجة التفاعلات والعلاقات بين فرنسا وبين المكونات اللبنانية هي التي ساهمت بشكل كبيرة في تكون النخب اللبنانية والصيغة الاقتصادية التي كونت هذا البلد قبل قرن من الزمن.

ويضيف: زيارة فيروز تحمل هذه الرمزية في ظل الوضع الذي يعيشه لبنان، والذي يعتبر أنه يواجه مرحلة مفصلية في تاريخه وخطر وجودي عليه بسبب فساد الطبقة السياسية الحاكمة.

ما حمله ماكرون

ويلتقي الرئيس الفرنسي العديد من الشخصيات السياسية والفاعلة في المشهد اللبناني، فما هي مطالبه وما هي الأمور التي يحملها في جعته للبنانين؟

ويجيب توفيق شومان عن هذا السؤال بما يلي: سبق مجيء ماكرون إلى لبنان مسألتان في غاية الأهمية، الأولى ما له علاقة بالتهديد بفرض عقوبات على مسؤولين لبنانيين كما سربت صحيفة "فيغارو" الفرنسية، وهي صحيفة قريبة من رئاسة الجمهورية الفرنسية، وبأن ماكرون كان يحدد مع ترامب مجموعة من العقوبات تطال كبار المسؤولين اللبنانيين.

ويكمل: وتم تثبيت هذه الأخبار عبر هذه الصحيفة في اليوم الذي وصل فيه ماكرون إلى بيروت، والمسألة الثانية وهي خارطة طريق إصلاحية دقيقة وضمن جدول زمني دقيق، وهذا الأمر ملقى على عاتق اللبنانيين.

ويتابع شومان: أظن بأن الرئيس ماكرون من خلال هذا البرنامج الإصلاحي لرسم وصياغة وكتابة البيان الوزاري لحكومة الدكتور مصطفى أديب، وهاتان المسألتان أعتقد أنهما أهم ما حمله الرئيس الفرنسي ماكرون إلى بيروت.

فيما يلخص بشارة خير الله هذه الزيارة باختيار رئيس الحكومة الجديد، ويوضح: الزيارة الأولى أتت باستقالة حسان دياب من الوزارة، والزيارة الثانية تكللت بتسمية رئيس مكلف بتشكيل الحكومة، وكل المؤشرات والمعلومات تقول بأنه اختيار الرئيس الفرنسي ماكرون.

ويتابع: هذه التسمية يعمل عليها الرئيس الفرنسي لضمان تشكيل حكومة تضم الجميع، وتكون العبرة في شكل هذه الحكومة، بسبب وجود خشية من أن تعاد التجربة بنفس الطبقة السياسية الفاشلة والفاسدة، والعبرة تكمن في كيفية تشكيل هذه الحكومة والابتعاد عن المحاصصة والزبائنية السياسية ثانيا، والابتعاد عن جميع الوجوه الحزبية المكروهة والغير مرغوب بها على الإطلاق ثالثا.

فيما يتوسع الدكتور جمال واكيم بالإجابة على هذه التساؤلات ويقول: كان سبق هذه الزيارة قبل شهر تقريبا، وحمل فيها إنذارا للطبقة السياسية بأن هناك إصلاح جذري لبنية النظام القائم يجب أن تحصل، لأن النظام الذي دام لمدة قرن وولد أزمات عميقة في تاريخ لبنان، وآخرها الأزمة التي تفجرت قبل عام تقريبا، والتي هي نتاج تراكمات منذ 40 عاما.

ويكمل: هو حمل إنذارا لهذه الطبقة بأنه يجب أن تتحرك، وهو فرض عليها القبول بالمرشح الذي هو الآن رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب، مع برنامج عمل يجب أن تتبناه هذه الطبقة، ليكون مضمونه إصلاح جذري للنظام، وهو ما أتى على لسان عدد من السياسيين وأولهم رئيس مجلس النواب نبيه بري.

ويواصل واكيم حديثه: هو أيضا ما جاء على لسان رئيس الجمهورية عشان الإعلان عن دولة لبنان الكبير، بالتوجه نحو نظام الدولة المدنية، وبنظام انتخابي خارج القيد الطائفي، وأعتقد أننا سنشهد بدايات ذلك مع الحكومة الحالية، التي تعتبر معدلة عن حكومة حسان دياب السابقة، لأن الطبقة السياسية وصلت إلى حائط مسدود، وأوصلت البلد إلى مأزق كياني.

ويختم: هذا تعتبره فرنسا كاستثمار على مدى أربعة قرون وهو ما لم تضحِ به، كرمى لعيون طبقة سياسية فاسدة ولا تحمل مشروعا للدولة في هذا البلد.

وصاية فرنسية

يرى البعض بأن زيارتي ماكرون إلى لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت، ما هو إلا إعلان وصاية فرنسية على لبنان، وحول هذه النقطة كان رأي المحلل اللبناني توفيق شومان: هو حقيقة لا يمكن فصل البعد الإنساني عن السياسي ولا التكتيكي عن الاستراتيجي ولا البعد المحلي عن العالمي، من دون شك أن هذه الزيارة ستسعى إلى تكريس دور فرنسي في لبنان تحت السقف الأمريكي.

ويستدرك: لكن في الوقت ذاته هناك صراع على شرق المتوسط، وأعتقد أن ماكرون من خلال ذلك يسعى إلى أن يقول للأتراك بأن الدور الفرنسي حاضر في هذه المنطقة ولبنان مرتكز له، ولذلك قبل يومين كان حديث مدوي له عندما قال بأننا وضعنا خطوط حمراء للنفوذ التركي في المنطقة.

© Sputnik .

وصاية فرنسية

ويكمل شومان: حقيقة نحن أمام معيارين أساسيين الأول له علاقة بالعلاقات التاريخية والثقافية والسياسية بين لبنان وفرنسا، والبعد الثاني اتخاذ مرتكز لمواجهة النفوذ التركي في المنطقة، وتحديدا في شرق البحر المتوسط.

فيما يرى الخبير بشارة خير الله بأن هذه الزيارة هي فرض وصاية جديدة على لبنان، وبأن الجميع يرفضها، ويشرح: شكل هذه الزيارة يدل على ذلك، ونحن نرفض أي وصاية على لبنان سواء كانت فرنسية أو إيرانية أو حتى أمريكية وغيرها، ولكن يتحمل تصرف الرئيس ماكرون السياسيون في لبنان، كوننا وصلنا إلى ما نحن عليه نتيجة أعمالهم.

أما الدكتور جمال واكيم فيعزو هذه الزيارات إلى أمور أخرى أبعد من فرض الوصاية، ويفسر ذلك بقوله: أكيد في هذا الإطار هناك خشية لدى الغرب وفرنسا والولايات المتحدة من أن دفع الأمور نحو مأزق في لبنان والمزيد من الضغوط عليه، قد يدفع به إلى الجهة المقابلة، وأن يصبح من الكتلة الأوراسية أو على صلة بها من الصين وروسيا وإيران.

ويكمل: هو ما لمح به الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله عندما أشار بالتوجه شرقا، عندما أشار بأن الأزمة الحالية بقسم كبير منها تفجرت بسبب الضغوط الأمريكية، في إطار التعويض عن خسارتها في الميدان السوري واستعادتها للميدان اللبناني أو فرض الوصاية عليه.

اللاعب الأقوى

وإذا ما كانت فرنسا قد أصبحت أقوى اللاعبين في الساحة اللبنانية، والتي طالما ما شهدت تجاذبات بين مختلف الأطراف والقوى الإقليمية والدولية، يقول توفيق شومان: فرنسا هي اللاعب القوي وليس الأقوى على الساحة اللبنانية، ولكن أعتقد أن لديها ضوء أخضر أمريكي، وتحفظ خليجي على هذا الدور وأيضا على السياسية المحلية اللبنانية، وأعتقد أن الأمريكيين يعطون مهلة لما بعد الانتخابات الأمريكية.

ويضيف: الفرنسيون يعملون بصورة عامة على خطين، الأول تكثيف نفوذهم في لبنان من خلال تشكيل هذه الحكومة وهو خط إصلاحي، والثاني هو إعادة هيكلة النظام السياسي والاقتصادي في لبنان، وأعتقد أن هذه الهيكلة لا يمكن أن تتم إلا عن طريق توافق على المستويين الإقليمي والدولي، ناهيك عن المحلي.

أما بشارة خير الله فيرى بأن فرنسا حكما لن تكون اللاعب الأقوى فهي ليست دولة عظمى، واللاعبون الأقوياء هنا هي الدول العظمة الكبيرة، وإنما فرنسا تحاول الاستفادة من غض الطرف الأمريكي والتفرغ للانتخابات الرئاسية الأمريكية.

وكذلك يظن الدكتور جمال واكيم، ويقول: لا أعتقد ذلك، ففرنسا فقدت نفوذها الرائد في لبنان، بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن هي تعتبر أن هناك علاقة عاطفية مع هذا البلد، طبعا كثير من النخب اللبنانية لا تزال ترتبط بفرنسا، على الصعيد المالي أو غيره.

ويكمل: هناك من النخب الثقافية لا تزال ترتبط بفرنسا، وعلى سبيل المثال في العام 2014 تفرغ في لبنان نحو 1300 أستاذ، وأكثر من نصف هؤلاء كانوا خريجي فرنسا، لذلك هناك نفوذ فرنسي واضح لدى النخب، لذلك يمكن القول أن هناك علاقة وطيدة بين فرنسا ولبنان.

ويستطرد: طبعا عندما تحرك ماكرون لم يكن ذلك بمعزل عن التنسيق مع الولايات المتحدة، ولنقل مع الجناح الأكثر اعتدالا في الإدارة الأمريكية، وليس مع الجناح الذي يمثله بومبيو، بل مع ديفيد هيل وجيفري فيلتمان على سبيل المثال، وهو الفريق الذي على دراية بالحساسيات وحيثيات الوضع في لبنان.

ويضيف واكيم: بتقديري لو اندفع الأمريكيون أكثر بالضغط على لبنان، لما كانت النتيجة هي عزل حزب الله كما كانوا يأملون، بل كانت تحول لبنان وكثير من هذه النخب شرقا، على الرغم من المرارة والخسائر التي يمكن أن يتعرض لها لبنان والآلام التي يمكن أن يمر بها البلد، نتيجة إعادة هيكلة البنيوية.

موقف الطبقة السياسية في لبنان

وحول ردة فعل الساسة والأحزاب والقوى الكبرى في لبنان من التحركات الفرنسية، يتحدث توفيق شومان: أعتقد أن الإنذار الذي تم توجيهه قبل وصول ماكرون إلى لبنان فعل فعله، لذلك رأينا استشارات نيابية عاجلة، وتكليف رئيس لتشكيل الحكومة بصورة عاجلة، والآن يتم الحديث عن تأليف الوزارة بزمن قد لا يستغرق أكثر من شهر، وهذا سابقة في تاريخ تشكيل الحكومات اللبنانية.

ويردف شومان: في هذا الجانب أعتقد أن الدور الفرنسي إيجابي إذا ما فصلناه عما له علاقة بالدور الاستراتيجي الذي يمكن أن تلعبه فرنسا على المستوى الإقليمي، وهذا بالمبدأ و أعتقد أنها تلقى ترحيبا على المستوى الوطني والشعبي والسياسي، بغض النظر عما تريده السياسية الفرنسية على مستوى الاستراتيجية في المنطقة.

فيما يؤكد المحلل بشارة خير الله بأن هناك انقسام في لبنان حول هذه التحركات، ويوضح: هناك مؤيد ومعارض كما في كل خطوة أو تحدث في لبنان، وطبعا إذا تبين أن هناك صفقة لإعادة إنتاج نفس الطبقة في السلطة، فسيكون الحراك اللبناني لها بالمرصاد، حتى لو كان يديرها الرئيس الفرنسي ماكرون.

أما الدكتور جمال واكيم فيرى بأن الطبقة السياسية في لبنان بغالبها هي ذات هوى غربي، حتى بالنسبة لتلك التي تجاهر بأنها مع المحور الشرقي ضد الغرب، ولكن بالمقياس السياسي في لبنان يمكن أن نعتبر أن حزب الله هو الوحيد خارج من الولاء للغرب أو علاقة التبعية مع الغرب.

ويتابع: أما بالنسبة للقوى المسيحية كلها هي توالي الغرب، ليس فقط بالمصلحة الإيديلوجية أو التوجه، ولكن أيضا بالمصلحة البنيوية والاقتصادية الانتهازية، لأن هذه القوى السياسية الطائفية بمجملها تمثل رأسمال ريعي مرتبط بالغرب.

ويختم واكيم حديثه لـ"سبوتنيك" بقوله: بالنسبة للرأسمال الشيعي هو أيضا بني في إفريقيا أو أمريكا هو أيضا مرتبط بالرأسمال الغربي، بالتالي الطبقة السياسية تمثل مصالح الرأسمال المصرفي المرتبط عضويا بالغرب، وليس بالشرق، والوحيد الذي يمثل قوة خارج هذا الطيف هو حزب الله، وطبعا هناك قوى غير ممثلة بالسلطة تمثل بديلا ولكنها ضعيفة جدا ولا يمكن أن تقلب موازين القوى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق