تنازعات سياسية وأزمة اقتصاد.. هل تنجح الحكومة التونسية في المهمة الشاقة؟

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في الأول من سبتمبر الجاري، وافق البرلمان التونسي على منح الثقة لحكومة "هشام المشيشي"، التي تشكلت بعد تكليف الرئيس "قيس سعيد" له.

 

لكن هذه الموافقة، وإن مثلت مفاجأة نسبية وغير متوقعة، إلا أنها لم تمنح التونسيين متعة تنفس الصعداء، والأمل في دوران عجلة البلاد، المتصلبة تحت ضغط تنازعات الأحزاب والقوى المشكلة للبرلمان، الذي يمتلك الصلاحيات الأكبر في البلاد، بحكم نظام تونس السياسي.

 

تشكلت حكومة "المشيشي" وحصلت على ثقة البرلمان بالفعل، لكن المنافسات الحزبية العميقة من المتوقع أن تعرقل الحوكمة الرشيدة؛ مما يضعف قدرة تونس على تأمين التمويل الخارجي اللازم، فضلا عن المحافظة على كونها نموذجا للديمقراطية في العالم العربي.

 

سيولة في السلطة

                                         

ولا تزال تونس تعاني من حالة سيولة في السلطة، نتيجة للانقسام في الطيف السياسي في تونس بين الأحزاب العلمانية والإسلامية.

 

وانقسمت الآراء حول ما إذا كان الخيار الأفضل هو حكومة تتماشى مع الخطوط الحزبية، أو حكومة تكنوقراط تركز على الإصلاحات المالية والاقتصادية، والتي من شأنها أن تغضب بعض الأحزاب السياسية في البرلمان التي قد تشعر أنها مستبعدة من عملية صنع القرار، وأبرزها حزب "حركة النهضة".

 

وكما تقول الباحثة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، "إيميلي هوثورن"، واصفة المعضلة التونسية، إنه "بينما يعكس النظام السياسي الديمقراطي التونسي التركيبة السكانية للبلاد، فإنه يعيق العملية السياسية؛ نتيجة الاستقطاب الحاد بين الفصائل المختلفة".

 

وكما ترى "هورثون"، فإن النتيجة لما يحدث حاليا هو استمرار التضخم والبطالة المتزايدة وانخفاض النمو في إضعاف الاقتصاد التونسي؛ حيث تفشل الحكومة في دفع الإصلاحات من خلال البرلمان المنقسم.

 

وعلى سبيل المثال، سيتطلب تمرير وتنفيذ إصلاحات هيكلية تشمل رفع الضرائب على سبيل المثال، المشاركة والتعاون بين الفصائل السياسية المتنافسة في البلاد. ومع ذلك، فإن هذا غير مرجح إلى حد كبير؛ لأن مثل هذه الإصلاحات لا تحظى بشعبية بين الناخبين التونسيين والنقابات العمالية.

 

وسيؤدي استمرار الفشل في تمرير الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية إلى تقويض قدرة تونس على الحصول على تمويل مفيد من صندوق النقد الدولي.

 

شعبية البرلمان مقابل الرئيس

 

وثمة نتيجة أخرى سببها كل ما يحدث، وهو تراجع شعبية البرلمان في تونس إلى حد الانهيار، مقابل ارتفاع شعبية الرئيس "قيس سعيد"، الذي بدا وكأنه يقاوم برلمانا يعتبره العديد من التونسيين عاجزًا لم يحقق فائدة تذكر.

 

والأزمة هنا هو أن الرئيس التونسي بات ينظر إلى البرلمان، لاسيما حزب "حركة النهضة" على أنها تحاول تقويض سلطته، والسعي لإدارة الدولة بشكل منفرد، لهذا جاءت عملية تكليف "المشيشي" غاصبة من الرئيس، الذي رفض – بشكل غير مباشر – مرشح "النهضة" لخلافة "إلياس الفخفاخ"، وهو "فاضل عبدالكافي"، وأصر على تكليف "المشيشي"، الذي قال إنه لن يشكل حكومة حزبية، بل حكومة تكنوقراط لمحاولة انتشال تونس من الأزمة الاقتصادية.

 

هنا وجد البرلمان نفسه مجبرا على الموافقة على الأمر، لكيلا تتزايد الاتهامات الشعبية ضده بمحاولة عرقلة البلاد، فمنح الثقة سريعا لحكومة "المشيشي"، في انتصار واضح لمنهج الرئيس "قيس سعيد".

 

ويتبقى الآن معرفة هل سيسمح البرلمان للحكومة بممارسة عملها، عبر مساعدتها في تمرير الإصلاحات اللازمة، أم تستمر الأمور في التفاقم، وتتجه إلى سيناريو الانتخابات المبكرة، وهو سيناريو لم يعد مستبعدا، وفقا للدستور التونسي وصلاحيات الرئيس.

 

تجد الأحزاب السياسية نفسها الآن محاصرة، لا أحد يحرص على إجراء انتخابات مبكرة لأن الرأي العام يلومهم على المأزق السياسي الحالي ويتهمهم بالسعي لحماية مصالحهم على حساب الدولة.

 

تحديات اقتصادية

 

ومن ناحية أخرى، باتت التحديات الاقتصادية في تونس أكبر من أي انقسامات أو محاولات لممارسة ما يمكن اعتباره مراهقة سياسية.

 

وتلفت شبكة "بلومبرج" الأمريكية إلى أنه لدى تونس أعلى فاتورة للرواتب العامة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتواصل الحكومة استخدام التوظيف في القطاع العام كوسيلة لتحقيق الاستقرار.

 

وقد ازدادت خطورة قضايا الدين العام في تونس إلى درجة أنها تسعى إلى إعادة جدولة ديونها مع الدائنين الرئيسيين، مثل السعودية وفرنسا.

 

ومن المتوقع الآن أن يصل عجز الميزانية التونسية إلى 5% من إجمالي الناتج المحلي بحلول نهاية 2020، مرتفعا من 3% قبل وباء "كورونا"، والذي كان له تأثير ضار على إيرادات السياحة والخدمات الهامة.

 

كانت تونس في مناقشات مع صندوق النقد بشأن صفقة تمويل جديدة قبل أن تأخذ الأزمات الاقتصادية والسياسية المزدوجة في البلاد منعطفاً نحو الأسوأ.

 

وفي مارس الماضي، ألغى صندوق النقد اتفاقية بشأن تسهيلات التمويل. ومن المتوقع توقيع اتفاقية لاحقة بمجرد أن تنحسر أزمة "كورونا".

 

فهل تمضي تونس إلى طريق حوكمة رشيدة تليق بديمقراطيتها الملهمة أم يستمر التناحر السياسي؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق