ما الذي ينتظر العلاقات الأمريكية - التركية في عهد بايدن؟

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

مع قدوم إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، سيطر الغموض على مستقبل العلاقات الأمريكية التركية، والتي تقلبت ما بين الهدوء والعاصفة إبان حكم الرئيس الراحل دونالد ترامب، لكن الكيمياء التي جمعت بين ترامب والرئيس التركي رجب أوردغان حدت بشدة من تأثير تلك العواصف، وهو ما لا يتوافر بين بايدن ونظيره التركي، ما ينذر بعلاقات أكثر تأزما، خاصة في الحقبة الأولى من حكم الرئيس الديمقراطي.

 

فقبل أسابيع قليلة من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تحديدا في 3 نوفمبر 2020، انتشر على نطاق واسع فيديو للمرشح الرئاسي آنذاك جو بايدن، وأثار ضجة داخل تركيا.

 

وتضمّن الفيديو مقاطع من لقائه الخاص بأعضاء هيئة تحرير صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، يسألونه فيها عن مستقبل العلاقات الأميركية – التركية، في ظل الرئيس رجب طيب أردوغان، إذا فاز في الانتخابات؛ فوصف بايدن أردوغان بأنه "مستبد"، واقترح أن تتلقّى المعارضة التركية دعمًا أمريكيًا لهزيمته في الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2023.

 

كما عبّر عن إحباطه من سياسة الرئيس دونالد ترامب تجاه الأكراد السوريين، وقال إن "آخر ما كنت سأقوم به هو التنازل له لأردوغان في ما يتعلق بالأكراد، آخر شيء على الإطلاق".

 

كما أعرب بايدن عن قلقه بشأن الأسلحة النووية الأمريكية في القواعد الجوية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا، وكذلك من انتقال علاقات الرئيس أردوغان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى "مرحلة خطيرة"، بعد شراء تركيا لنظام الدفاع الصاروخي الروسي المتطور "إس-400" المضاد للطائرات.

 

وردًا على ذلك، انتقد إبراهيم كالن، الناطق الرسمي باسم الرئاسة التركية، "جهل بايدن المطلق وغطرسته ونفاقه". في المقابل، لم يتجنب بايدن استخدام لغة عدائية مماثلة.

 

وبالنظر إلى هذه الخلفية، لم يكن من المستغرب أن يكون أردوغان آخر زعيم في دول حلف الناتو يهنّئ بايدن على الفوز بالانتخابات.

 

 

ومن المعروف في واشنطن أن الكلمات القاسية في الحملات الرئاسية غالبًا ما تصطدم بجدار الحسابات الاستراتيجية فور أن يتم تنصيب الرئيس رسميًا. ومع ذلك، وعلى عكس مقاربة ترامب الشخصية، سيكون لاستعادة بايدن للديناميات المؤسّسية الأثر الكبير في العلاقات الأميركية - التركية.

 

لقد عمل ترامب على حماية تركيا من الإجراءات المحتملة ضدّها من طرف الكونجرس الأمريكي؛ إذ تمتّع الرئيس أردوغان بتواصل مستمر معه وحظي بمعاملة خاصة.

 

وفي ظل رئاسة بايدن، سيواجه أردوغان مجموعة من القضايا الخلافية، بما في ذلك نظام "إس-400"، وقضية فدرالية لا تزال مستمرّة ضد بنك "خلق"، أحد أكبر البنوك الحكومية في تركيا، بزعم تهربه من العقوبات المفروضة على إيران.

 

وفي السنوات القليلة المقبلة، من المحتمل أن تكون هناك مجموعة من البنود يتضمّنها جدول أعمال إدارة بايدن ستحظى بأولوية كبيرة، وذلك في ما يتعلّق بالعلاقات بين تركيا والولايات المتحدة.

 

العلاقات التركية - الروسية ومستقبل حلف الناتو

 

قد يكون الهم الأكبر للسياسة الخارجية لإدارة بايدن هو إحياء التحالفات الأمريكية التقليدية التي قوضّتها سياسات ترامب. فبعد فوزه بالرئاسة، سلّط بايدن الضوء على أهمية حلف الناتو من خلال تعهُّده بـ "التزام دائم" بالتحالف العسكري.

 

وقد تسبب صمت البيت الأبيض خلال رئاسة ترامب بشأن التعاون بين أنقرة وموسكو بشعور إحباط لدى الدبلوماسيين الأوروبيين، الذين بدؤوا ينظرون إلى تركيا على أنها "الفيل في الغرفة" (أي الحقيقة الواضحة التي لا يمكن تجاهلها) عند مناقشة مستقبل الحلف.

 

 

وأثار شراء تركيا لنظام "إس-400" قلق الكونجرس الأميركي، وعلى الرغم من الضغوط الشديدة التي مارستها واشنطن، وإخراج تركيا من برنامج الطائرات المقاتلة "إف-35"، اختبرت الحكومة التركية مؤخرًا نظام "إس-400" لإظهار قرارها الحازم باحترام اتفاقها مع موسكو.

 

ونتيجة لذلك، أقرّ الكونجرس مشروع قانون في نسخته النهائية يطالب بفرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها هذا النظام، بصفته جزءًا من مشروع قانون الدفاع السنوي، والذي يفرض على الرئيس الأمريكي معاقبة تركيا بموجب مشــروع "قــانون مواجهة خصوم أمريكا عن طريق العقوبات".

 

وفي غضون 30 يومًا بعد التوقيع النهائي، يفعّل القانون عمليةَ فرض العقوبات على الصفقات مع قطاع الدفاع الروسي، وعلى وجه الخصوص نظام "إس-400" لأنه يمثل تهديدًا، من خلال تعريض الأسرار التقنية لطائرات الناتو من طراز "إف-35" للخطر.

 

وقد تراوح العقوبات المفروضة على تركيا بين حظر التأشيرات لأفراد محدّدين مستهدفين، إلى منع أي معاملات حكومية تركية مع النظام المالي الأميركي ورفض تراخيص التصدير.

 

وبما أن فريق السياسة الخارجية للإدارة الجديدة مكوّن من كبار المسؤولين من حقبة الرئيس السابق باراك أوباما، فمن المرجح أن تتم مناقشة عقوبات مشروع القانون السابق في ما يتعلق بالتوجّه الاستراتيجي التركي الطويل الأمد. ومن المتوقع أن يعتمد فريق بايدن مقاربة الترغيب والترهيب لتجنب عزل تركيا تمامًا.

 

فقد يؤدي تقويض الاقتصاد التركي من خلال العقوبات الصارمة إلى تأثير معاكس، ويدفع تركيا إلى أحضان روسيا.

 

ومن ناحية أخرى، ستواجه أنقرة، بعد خروج ترامب الذي عطّل تنفيذ العقوبات، قائمة طويلة من المطالب التي من شأنها أن تختبر علاقات تركيا بحلف الناتو.

 

 

وقد تتصدّر مسألة الصراع في شرق البحر الأبيض المتوسط جدول أعمال الإدارة الجديدة، خاصة إذا نجح بايدن في سد الفجوة الناشئة بين القادة الأوروبيين وواشنطن؛ إذ ينظر البرلمان الأوروبي في فرض عقوبات على أنقرة بسبب عمليات التنقيب التركية عن الغاز في المنطقة المتنازع على حدودها البحرية مع دول البحر المتوسط.

 

وقد أصبحت فرنسا، بصفتها طرفًا رئيسًا في حلف الناتو، أشدّ المنتقدين للتحول الاستراتيجي لتركيا تجاه روسيا؛ فهي ليست مستاءة من التدخل التركي في الحرب الأهلية الليبية فحسب، ولكنها أيضًا مُحبَطة من أجندة تركيا الطموحة في شرق البحر المتوسط.

 

أكراد سوريا وبايدن

 

سيكون من المثير للاهتمام مراقبة كيفية تشكّل العلاقات بين واشنطن وأنقرة في إثر التطورات في شمال سورية، كون بايدن دعم علنًا الأكراد السوريين خلال حملته الرئاسية. ودعا أنتوني بلينكن، الذي اختاره بايدن وزيرًا للخارجية، بقوة إلى تقديم الأسلحة للأكراد السوريين، لكنه في الوقت نفسه دعم معركة تركيا ضد قيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل العراقية.

 

وعلى عكس العديد من المحللين، يعتقد بلينكن أن هذين الهدفين لا يتعارضان، إذ قد يجري دعم وحدات حماية الشعب وهي فرع حزب العمال الكردستاني في سورية، في إطار مهمة قوات سوريا الديمقراطية ضد فلول تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" ووكلاء إيران، بينما قد تتلقى تركيا دعمًا لعمليات عسكرية على طول حدودها مع شمال سوريا.

 

ومع ذلك، فإن العمليات العسكرية المستقبلية لنظام الأسد في محافظة إدلب الشمالية الغربية قد تضع مهارات بلينكن الدبلوماسية على المحك. ففي حال حدوث نزوح جماعي من هناك، من المرجّح أن تعيد الحكومة التركية مطلب "المنطقة الآمنة" إلى طاولة المفاوضات، من أجل إعادة توطين اللاجئين السوريين على طول الحدود التركية في شرق الفرات.

 

 

ومع ذلك، فإن إنشاء جيوب تركية محمية في شمال سوريا يمثّل تحديًا مباشرًا للبلدات الكردية في منطقة الحسكة، ومن ثمّ، ستقع واشنطن بين المطرقة والسندان.

 

ويُعرِب بلينكن عن تفاؤله في التعاون مع تركيا في سوريا، إذا كانت أنقرة مستعدة لقبول التسويات. وفي مقابل تقبّل القيادة الكردية السورية، قد تحصل أنقرة على ضمانات بأن حزب العمال الكردستاني لن يجري عمليات داخل تركيا، وأن الولايات المتحدة يمكن أن تستمر في تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الجيش التركي في معركته ضد معسكرات الحزب في العراق.

 

وإذا أرادت واشنطن التوسط في اتفاق سلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، فعليها مراعاة الديناميات المحلية داخل تركيا، وهنا يكمن أكثر التحديات وضوحًا.

 

موازنة نفوذ إيران

 

بما أن إدارة بايدن تعطي الأولوية لمراجعة الاتفاق النووي الإيراني، سيكون موقف تركيا تجاه إيران مسألة تثير الجدل في واشنطن، إذ قد ينظر فريق بايدن إلى أنقرة بصفتها شريكًا مفيدًا لموازنة نفوذ طهران في المنطقة من جهة، وسيكون التعاون في سوريا والعراق على رأس جدول أعمال الإدارة الجديدة، إذ تتداخل المصالح التركية إلى حد بعيد مع المصالح الأميركية في مواجهة إيران.

 

 

ومن جهة أخرى، ثمة عوائق وارتياب متنامٍ قد يؤثران في هذا التعاون؛ فقد كانت علاقات تركيا بإيران نقطة توتر في النقاشات الرئيسة[داخل إدارة ترامب بسبب قضية تجاوز العقوبات الإيرانية المستمرة في المحاكم الأميركية ضد بنك "خلق" التركي.

 

وكان الرئيس أردوغان حازمًا في الضغط من أجل إغلاق قضية بنك "خلق" من خلال إثارة القضية على نحو متكرّر بصفتها أولوية في العلاقات الأمريكية - التركية. وبناء عليه، إذا لم تتدخّل إدارة بايدن في القضية، كما هو متوقع، فإن الإجراءات المقبلة التي سيتخذها المدعون العامون الفدراليون قد تمثّل نقطة خلاف في العلاقات الأمريكية - التركية. وإذا نُفّذت العقوبات من دون تخفيف، فقد لا يتمكن بنك "خلق" من الاستمرار، ومن المرجح أن تضرّ الآثار الناجمة عن ذلك بالاقتصاد التركي.

 

قضية المعتقلين في السجون التركية

 

منذ محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016، كمنت إحدى القضايا الشائكة الرئيسة بين واشنطن وأنقرة في وجود عشرات الرعايا الغربيين في السجون التركية الذين اتُهموا بالإرهاب.

وقد أدّى الصدام بشأن قضية القس الأمريكي، أندرو برانسون، إلى إعلان ترامب فرض عقوبات اقتصادية على تركيا، ما أدى إلى إطلاق سراح القس ورفع العقوبات لاحقًا. في حين لم تحظَ حالات أخرى، بما فيها ثلاثة موظفين في القنصلية الأمريكية، باهتمام ترامب، ما أثار التساؤل عما إذا كانت الهوية الإنجيلية لبرانسون هي الدافع الرئيس لتحرّك إدارة ترامب.

 

وبناء عليه، دعا بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي إلى فرض عقوبات بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي ضد الحكومة التركية؛ إذ تعاقب التدابير (التي ينص عليها هذا القانون) الأفراد والكيانات على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من خلال تجميد أصولهم وإبعادهم عن النظام المالي الأمريكي.

 

 

وحتى الآن، في ما يتعلق بقضية برانسون، فُرضت عقوبات على وزير العدل ورئيس الأمن الداخلي التركيَّين بموجب قانون ماغنيتسكي، وحُذف اسمهما لاحقًا من قائمة العقوبات فور إطلاق سراح برانسون.

 

وبما أن حملة بايدن وعدت بتعزيز مكانة وزارة الخارجية ونفوذها، ومن ثم إصلاح الضرر الذي ألحقه ترامب بها، فقد تتطوّر حالات الموظفين الأمريكيين المعتقلين الثلاثة لتساهم في صوغ العلاقات مع أنقرة.

 

هل إعادة ضبط العلاقات ممكنة؟

 

تنظر تركيا إلى إدارة بايدن على أنها تمثل نهاية لدبلوماسية الهاتف المحمول، التي تجاهلت المؤسسات التقليدية الأمريكية؛ فالعودة إلى الوضع الطبيعي تبشّر أنقرة بالأخبار السارة من ناحية، وتنذرها بالأخبار السيئة من ناحية أخرى.

 

فبالنسبة إلى واشنطن التي تنظر إلى تركيا بصفتها ذات أهمية جيوسياسية طويلة الأمد، قد يكون هناك فرصة لإعادة ضبط العلاقات من خلال الروابط المؤسسية، في حال بذلت الحكومة التركية جهدًا لحل مسألة أنظمة صواريخ "إس-400"، وهي أكثر المسائل حساسية.

 

وبصفته سياسيًا براغماتيًا لا يرغب في تكرار التداعيات السلبية لعقوبات ترامب لعام 2018 على أنماط التصويت في الانتخابات البلدية التركية، قد يختار أردوغان احتواء الخلافات مع واشنطن من أجل إنقاذ الاقتصاد التركي، وقد تبحث إدارة بايدن الجديدة بدورها عن فرص لإصلاح حالة انعدام الثقة المتزايدة بين البلدين.

 

 

 

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق