انقلاب بورما.. المتظاهرون يتحدون رصاص الجيش

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

واصل المتظاهرون في بورما تظاهراتهم المعارضة للانقلاب العسكري، متحدين التدابير التي أعلنها الجيش لتشديد منع التجمعات والتظاهرات، فيما أطلق قوات عسكرية، اليوم الثلاثاء، أعيرة مطاطية ومدافع المياه، على متظاهرين في مدن عدة في البلاد.

 

وأعلنت سلطات الانقلاب، أنها وسعت المناطق المشمولة بقرار حظر التظاهرات والتجمعات الذي فرض الاثنين، فيما تواصلت التظاهرات لليوم الرابع على التوالي احتجاجاً على الانقلاب الذي أطاح الأسبوع الماضي، بالزعيمة المدنية للبلاد أونغ سان سو تشي، رغم تحذير الجيش من أنه سيتخذ خطوات ضد المتظاهرين الذين يهددون "الاستقرار".

 

 

وخرجت التظاهرات الجديدة في مختلف أنحاء العاصمة رانغون، ومن بينها مقر حزب "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" الذي تتزعمه سو تشي. ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها شعارات من بينها "نريد زعيمتنا" و"لا للديكتاتورية".

 

ورغم التظاهرات فإن الخوف من أعمال انتقامية لا يزال كبيرًا في البلاد التي عاشت منذ استقلالها العام 1948 تحت حكم ديكتاتورية عسكرية على مدى خمسين عامًا. واعتبر فرنسيس وايد وهو مؤلف كتب عن البلاد أن "الشعب يدرك إلى أي حد يمكن أن يستخدم الجيش العنف وعدم اكتراثه بالسمعة الدولية، وهذا يمكن أن يكبح الرغبة في التعبئة".

تظاهرات المعلمين

وفي سان تشونغ التابعة لرانغون، نزل عشرات المعلمين إلى الشارع الرئيسي وهم يلوحون بالتحية الثلاثية الأصابع التي باتت شعار المتظاهرين. وقال المعلم ثين وين سو لوكالة "فرانس برس": "لسنا قلقين من تحذيرهم لذا خرجنا اليوم. لا يمكننا قبول أعذارهم عن احتيال انتخابي. لا نريد أي ديكتاتورية عسكرية".

 

في نايبيداو العاصمة الاقتصادية للبلاد، قال شهود إن الشرطة أطلقت أعيرة مطاطية على متظاهرين، بعدما حاولت تفريقهم بخراطيم المياه. وقال أحد الأهالي لوكالة "فرانس برس": "أطلقوا طلقات تحذيرية في الهواء مرتين، ثم أطلقوا (باتجاه متظاهرين) أعيرة مطاطية"، مضيفاً أنه شاهد بعض الأشخاص الذين أصيبوا بجروح.

 

وبعدما نزل مئات آلاف المتظاهرين المعارضين للانقلاب، وجّه قائد المجلس العسكري مين أونغ هلاينغ خطاباً متلفزاً مساء الاثنين، لتبرير الأحداث الأخيرة.

 

تبرير الانقلاب

في خطابة المتلفز الأول منذ الانقلاب، شدد مين أونغ هلاينغ على أن السيطرة على السلطة مبررة بسبب "التزوير في الانتخابات". وكان حزب سو تشي قد حقق فوزاً كاسحاً في الانتخابات العامة في نوفمبر، لكن الجيش لم يعترف أبداً بشرعية الاقتراع.

 

وأكد مين أونغ هلاينغ، الاثنين، أن الجيش سيفي بوعوده ويعيد إرساء الديمقراطية. وأعلن أيضاً أن الأمور ستكون "مختلفة" عن الحكم السابق للجيش الذي استمر 49 عاماً، وانتهى في 2011. وقال: "بعد تحقيق مهمات فترة الطوارئ، ستنظم انتخابات حرة ونزيهة ومتعددة الأحزاب وفقاً للدستور".

 

لكن تلك الوعود ترافقت مع تهديدات. فأمام تصاعد موجة التحدي، حذر الجيش من أن معارضة المجلس العسكري غير قانونية. وفي بيان نشرته وسائل إعلام حكومية قال المجلس إنه "يتعين اتخاذ خطوات" في مواجهة الأنشطة التي تهدد الاستقرار والنظام العام.

 

غضب دولي

باتت نيوزيلندا، الثلاثاء، أول حكومة أجنبية تتخذ تدابير رسمية فعلية، إذ أعلنت تعليق محادثات عسكرية رفيعة المستوى واتصالات سياسية مع ميانمار. فيما قادت الولايات المتحدة دعوات عالمية للجنرالات للتخلي عن السلطة، وأصدرت الاثنين بياناً جديداً في أعقاب تحذيرات الجيش ضد المتظاهرين.

 

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس الاثنين: "نقف إلى جانب الشعب البورمي وندعم حقه في التجمع في شكل سلمي، خصوصاً في التظاهر بشكل سلمي للمطالبة بحكومة منتخبة ديمقراطياً". وأضاف أن الولايات المتحدة ورغم محاولاتها، لم تتمكن من التواصل مع أونغ سان سو تشي.

 

من جانبه، قال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إنه سيعقد الجمعة اجتماعاً طارئاً لمناقشة الوضع، فيما حضّ البابا فرنسيس السلطات في ميانمار على الإفراج "سريعاً" عن المسؤولين المسجونين.

 

وعلى الرغم من الضرر الذي أصاب سمعتها في الغرب بسبب ردّ فعلها حيال أزمة الروهينغا، لا تزال سو تشي شخصية ذات شعبية كبيرة في البلاد، وقد حصد حزبها أكثر من 80% من الأصوات في انتخابات نوفمبر.

تساؤلات وغموض

ويثير الانقلاب العسكري ضد الحكومة المدنية، العديد من التساؤلات حول الحاجة إلى ذلك التحرك العنيف فيما يحكم الجيش قبضته على السلطة بالفعل، من خلال تحكمه بمفاصل الاقتصاد وسيطرته على ربع مقاعد البرلمان، طبقا للدستور، فضلا عن إمساكه بمعظم الوزارات الحساسة، مثل الدفاع والداخلية والحدود.

 

ويتحدث محللون عن دوافع شخصية لقائد الجيش الجنرال "مين أونغ هلاينغ" الذي تولى مقاليد الحكم عقب الانقلاب، فالجنرال الذي يعد بمثابة الحاكم الفعلي للبلاد كان يستعد للتقاعد بعد عقد كامل من الإمساك بزمام الجيش والسلطة، وهو ربما لم يكن يفضل تلك النهاية الهادئة، ويرغب بقضاء مزيد من الوقت فوق سدة الحكم.

 

ويشير البعض إلى خشية هلاينغ من تقاعد غير مريح، في ظل ما تشهده البلاد من انفتاح على المجتمع الدولي، وتصاعد وتيرة انخراط بورما في التجارة الدولية، بعد عقود طويلة من العزلة بسبب الحكم العسكري القاسي وتجميد الحياة السياسية، ويخشى الجنرال القوي من أن يؤدي ذلك الانفتاح إلى مزيد من التآكل في شعبية ونفوذ الجيش، وصولا إلى تعديل الدستور وإلغاء النصوص التي تمنح القوات المسلحة وضعا مهيمنا على مقاليد الحكم.

جرائم حرب

ونجح الجنرال في الحفاظ على سلطة الجيش حتى في ظلّ انتقال ميانمار إلى الحكم الديمقراطي، لكنه واجه إدانات عالمية وعقوبات بسبب دوره المزعوم في مهاجمة الجيش للأقليات العرقية. ومع عودة ميانمار تحت قيادته إلى الحكم العسكري، يبدو أن مين أونغ هلاينغ يسعى لتوسيع سلطته وتحديد مستقبل البلاد القريب.

 

وفي أغسطس 2018 قال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إنه "يجب التحقيق مع كبار الجنرالات العسكريين في ميانمار ، بمن فيهم القائد العام للقوات المسلحة الجنرال مين أونغ هلاينغ ، ومحاكمتهم بتهمة الإبادة الجماعية في شمال ولاية راخين، فضلا عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في ولايات راخين وكاشين وشان".

 

ويرى محللون أن نتيجة الانتخابات البرلمانية الأخيرة والهزيمة المنكرة التي مني بها حزب التضامن الوحدوي والتنمية الحاكم سابقاً الذي أسسه الجيش قبل أن يسلم السلطة رسمياً في 2011، ربما رأى فيها الجيش مؤشرا كافيا على تآكل شعبيته، بصورة ربما تشجع مستشارة الدولة "أون سان سوتشي"، زعيمة حزب "الرابطة الوطنية للديمقراطية" الحاكم، على المضي قدما في تقليص نفوذ الجيش، حيث لم يحصل حزب التضامن سوى على 33 مقعداً من 476 مقعداً، بخلاف نسبة الـ 25% المخصصة للجيش.

 

وقوة الجيش البورمي ليست عسكرية فحسب، بل هي أيضًا اقتصادية. حيث يمتلك 14٪ من ميزانية الدولة. مع ذلك فإن تمويله يتخطى بكثير ما تشير إليه الأرقام الرسمية إذ يتهم بتهريب المخدرات، والدخول في منظومة الفساد، كما يستفيد من الأرباح التي تجنيها شركات مملوكة له إضافة الى نفوذ واسع في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد البورمي.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق