مع اقتراب الدورة الجديدة لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى 2026، أعود إلى سؤال صاحبنى خلال سنوات طويلة من العمل ومتابعة المهرجانات: ما الذى يجعل مهرجانًا موعدًا ينتظره السينمائيون، ويحرص المنتجون على تقديم أفلامهم فيه، ويتابع النقاد برنامجه قبل أن تبدأ عروضه؟ وكيف تتحول مدينة، لأيام محدودة كل عام، إلى مكان تُكتشف فيه أفلام وتتحدد فيه مسارات مهنية وتُعقد اتفاقات يمتد أثرها إلى ما بعد حفل الختام؟
أطرح هذه الأسئلة من واقع تجربة جمعت بين حضور مهرجان برلين بصفتى صحفيًا، والتعاون مع مهرجان القاهرة فى ترشيح أفلام من البلدان الناطقة بالألمانية أو غيرها، واقتراح ضيوف وأعضاء لجان تحكيم، وإدارة الندوات مع الضيوف المتحدثين بالألمانية، فضلًا عن الكتابة فى مجلة المهرجان.
لم يكن هذا التعاون تكليفًا رسميًا بأن أكون مندوبًا للمهرجان. كان مساهمة مهنية تعود بالنفع على الطرفين، وتتيح لى توسيع علاقاتى الدولية. وقد عرّفتنى بالعمل الذى يسبق ظهور الفيلم على الشاشة، وبقيمة الاتصال الذى يبدأ قبل موعد المهرجان بشهور، وقد تتجدد ثماره على مدار سنوات.
زرت برلين طوال فترة تقترب من عشرين عامًا. وكانت المهمة الصحفية جزءًا من أسباب الرحلة، لكننى كنت أذهب أيضًا بعين تبحث عما يمكن أن يصل إلى الجمهور المصرى: فيلم يصلح للقاهرة، وآخر يناسب الإسكندرية، وعمل تسجيلى أو قصير يستحق العرض فى الإسماعيلية، ومخرج تضيف زيارته لقاءً مهمًا إلى أحد البرامج.
البرنامج يبدأ قبل إعلان الأفلام
حين يطالع الجمهور برنامج مهرجان، يرى عناوين الأفلام وأسماء المخرجين وبلدان الإنتاج ومواعيد العرض. أما خلف هذه الصفحات، فهناك أسئلة عملية: من شاهد الفيلم؟ ومن عرف بوجوده مبكرًا؟ ومن تواصل مع منتجه أو وكيل مبيعاته؟ ولماذا وافق أصحابه على عرضه فى هذا المهرجان وفى هذا التوقيت؟
الفيلم الذى تريده القاهرة قد تتنافس عليه مهرجانات أخرى. وقد يفضّل منتجه الانتظار، أو يشترط عرضًا إقليميًا أول، أو يبحث عن فرصة توزيع. ومن يتفاوض معه يحتاج إلى معرفة بالفيلم وخطة تقديمه، وإلى القدرة على شرح القيمة التى ستضيفها مشاركته.
لذلك كانت زيارات المهرجانات فرصة للمشاهدة وبناء العلاقات معًا. ومع تكرار التعامل تصبح الثقة رصيدًا، بشرط أن يعرف المهرجان كيف يحافظ عليه ويستفيد منه داخل مؤسسته.
برلين: وظائف تتكامل
تساعدنا برلين على فهم اتساع وظيفة المهرجان. فإلى جانب العروض والجوائز، ترتبط بها السوق الأوروبية للفيلم «European Film Market»، التى تجمع المنتجين والموزعين والمشترين ووكلاء المبيعات. وهناك سوق للإنتاج المشترك «Berlinale Co-Production Market» تتيح لأصحاب المشروعات البحث عن شركاء، وبرنامج «مواهب برلين» (Berlinale Talents) الذى يربط التطوير المهنى بالإرشاد وتبادل الخبرات.
هكذا تتعدد أسباب الحضور: مشاهدة عمل، أو تطوير مشروع، أو البحث عن شريك، أو اكتساب خبرة. ويصبح للمهرجان أثر فى حياة الفيلم قبل عرضه وأثناءه وبعده.
لكن هذه الأنشطة لا تعفينا من السؤال الأساسى: ماذا يُعرض على الشاشة؟ فقيمة البرنامج تُختبر فى الأفلام، وقدرته على تقديم أصوات وتجارب تستحق الاهتمام، ثم فى الأثر الذى يبقى منها.
ماذا بنت القاهرة؟
تقتضى المقارنة المنصفة الاعتراف بما طورته القاهرة. فقد انطلقت «أيام القاهرة لصناعة السينما» (Cairo Industry Days) فى دورة ٢٠١٨، وضمت أنشطتها «ملتقى القاهرة السينمائ»» (Cairo Film Connection) للإنتاج المشترك، إلى جانب لقاءات وورش تجمع العاملين فى الصناعة.
لكن تقييم هذه الخطوات يحتاج إلى تتبع نتائجها: ما المشروعات التى وجدت شركاء؟ وما الأفلام التى اكتملت؟ وما مسارات عرضها؟ وكيف استمرت الصلة بين أصحابها والمهرجان؟ إعلان المبادرة بداية، وأثرها يظهر بمتابعة ما تحقق عبر السنوات.
وينطبق الأمر نفسه على الضيوف والندوات. فقد أدرت لقاءات مع سينمائيين يتحدثون الألمانية والإنجليزية، وأعرف أن الضيف المهم يمنح المهرجان فرصة تحتاج إلى إعداد: معرفة بأعماله، ومحاور محددة، وترجمة دقيقة، وجمهور يستطيع المشاركة. عندئذ يصبح اللقاء مادة معرفة تبقى قيمتها بعد سفره.
لماذا نقارن القاهرة ببرلين؟
قد يعترض البعض باختلاف الموارد والبيئة الاقتصادية وحجم الصناعة. وهى فروق تؤثر بالفعل فى القدرة على اجتذاب الأفلام والضيوف. لكنها تجعل تحديد الأولويات أكثر إلحاحًا: أين تنفق القاهرة مواردها؟ وما المجالات التى تستطيع التميز فيها؟ وكيف تستفيد من تاريخ السينما المصرية وصلاتها العربية والإفريقية والآسيوية؟
المقارنة المفيدة تساعد على فهم آليات النجاح، ثم اختيار ما يلائم ظروفنا: استمرارية العمل، وحفظ العلاقات، ووضوح مسئوليات الاختيار، وإتاحة المعلومات، ومتابعة نتائج المبادرات.
وأكتب عن القاهرة لأننى أعرف قيمة ما تستطيع تقديمه، وشاركت فى جانب من العمل من أجلها. هذه الخبرة تجعلنى حريصًا على أن يستند الاحتفاء بها إلى برنامج يبرره، وأن يستند النقد إلى وقائع وأسئلة محددة.
فى المقالات التالية نقترب من أفلام ودورات بعينها، ثم نوسّع المقارنة إلى مهرجانات أخرى. أما السؤال الذى نبدأ به فهو: ما الذى يجعل صاحب فيلم مهم يختار القاهرة، وما الذى يجعل المشاهد يثق فى اختيارها؟
- قائمة جوائز مهرجان الشارقة السينمائى الدولى للأطفال والشباب الـ 13
- مهرجان VS-FILM يعلن جوائز الختام ويكرم صناع الأفلام القصيرة جدا
- رئيس مهرجان الإسكندرية: المنافسة أصبحت شرسة والموزع كلمة السر
- انطلاق الدورة الثالثة لمهرجان VS-FILM للأفلام القصيرة جدًا اليوم
- مهرجان الشارقة للأطفال والشباب يكشف عن لجان تحكيم دورته الـ13






