كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية عن تفاصيل مثيرة بشأن أساليب شركة أبل في التفاوض مع موردي مكونات أجهزتها، مؤكدة أن الشركة استخدمت لسنوات نفوذها الشرائي الضخم لفرض أسعار منخفضة وشروط صارمة على الشركات المصنعة لرقائق الذاكرة، وصلت في بعض الأحيان إلى التهديدات والمواجهات المباشرة، في ظل امتلاكها قوة تفاوضية هائلة باعتبارها واحدة من أكبر المشترين عالميًا لهذه المكونات.
وسلط التقرير، الضوء على واقعة تعود إلى أواخر عام 2015، عندما رفضت شركة «سانديسك» (SanDisk) تلبية طلبات إضافية من أبل، بعدما وجدت عملاء آخرين مستعدين لدفع أسعار أعلى، ليتحول الخلاف إلى مواجهة حادة مع توني بليفينز، المسؤول السابق عن المشتريات في أبل، والذي هدد أحد مندوبي الشركة بأنه سيجعل رئيسها التنفيذي آنذاك، سانجاي ميهروترا، «يزحف على ركبتيه عائدًا إلى أبل».
تهديدات وضغوط.. كيف تفاوضت أبل مع مورديها؟
لم تكن واقعة سانديسك حالة منفردة، إذ كشف التقرير عن مجموعة من الأساليب التي اعتمدت عليها أبل خلال سنوات لتعزيز سيطرتها على موردي رقائق الذاكرة، مستفيدة من حجم مشترياتها الضخم الذي جعلها عميلًا يصعب على الشركات المصنعة الاستغناء عنه، وكان توني بليفينز، الذي غادر أبل في عام 2022، أحد أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بهذه الاستراتيجية، حتى أطلق عليه البعض لقب «Blevinator»، في إشارة إلى أسلوبه الحاد في التفاوض.
وبحسب التقرير، كان بليفينز يعقد أحيانًا اجتماعات متتالية مع موردي المكونات، بما يسمح لمندوبي الشركات المنافسة بمقابلة بعضهم البعض، وهو ما يزيد الضغوط التنافسية بينهم ويدفعهم إلى تقديم عروض أفضل لأبل.
ووصلت بعض جلسات التفاوض إلى ساعات متأخرة بعد منتصف الليل دون فترات مخصصة لتناول العشاء، ما دفع ممثلي الشركات الموردة إلى الاعتماد على ألواح الطاقة الغذائية لمواصلة الاجتماعات، بينما كان فريق أبل يستخدم السمعة الصارمة لبليفينز للضغط على الموردين وتهديدهم باستدعائه إذا لم يقبلوا الشروط المطروحة.
فتح دفاتر الحسابات وفرض أسعار تفضيلية
ومن بين أبرز أدوات الضغط التي استخدمتها أبل، اشتراط منحها صفة «العميل الأكثر تفضيلًا» (Most Favored Customer)، بما يضمن عدم حصول أي مشترٍ آخر على أسعار أقل من تلك التي تحصل عليها الشركة الأمريكية، ولم تكتف أبل بهذا الشرط، بل احتفظت بحق مراجعة دفاتر حسابات الموردين للتأكد من التزامهم بالأسعار المتفق عليها، وهو ما منحها قدرة أكبر على مراقبة تعاملاتهم التجارية ومعرفة تفاصيل عمليات الإنتاج داخل مصانعهم.
وأشار التقرير إلى أن أبل اكتشفت في وقت سابق بيع شركة «ميكرون» (Micron) رقائق ذاكرة لأحد العملاء بأسعار أقل مما تحصل عليه هي، لتنجح في الحصول على تسوية تحكيمية بلغت قيمتها عشرات الملايين من الدولارات، وبلغ تكرار عمليات المراجعة التي كانت تجريها أبل حدًا جعلها تتفاوض مع شركة «ديلويت» (Deloitte) للحصول على خصم مقابل حجم عمليات التدقيق التي تكلفها بها.
كما استخدمت الشركة أسلوبًا آخر للضغط على الموردين، تمثل في طلب كميات كبيرة بأسعار منخفضة، ثم رفض استلام بعض الشحنات عندما تتراجع أسعار السوق، وهو ما كان يترك الشركات المصنعة أمام مخزونات من الرقائق، بعضها صُنع خصيصًا لتلبية طلبات أبل، ويضطرها في النهاية إلى تقديم تخفيضات إضافية.
الذكاء الاصطناعي يقلب موازين القوة
لكن المعادلة التي منحت أبل نفوذًا هائلًا لسنوات بدأت تتغير مع التوسع الكبير في بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بعدما دخلت شركات مثل مايكروسوفت وأمازون وميتا وجوجل في منافسة قوية على شراء رقائق الذاكرة والتخزين، ووفقًا لتقديرات مؤسسة «تك إنسايتس» (TechInsights) التي استند إليها تقرير وول ستريت جورنال، كانت أبل تشتري قبل عامين تقريبًا كمية من ذاكرة الفلاش تعادل نحو ضعف ما تشتريه شركات مايكروسوفت وأمازون وميتا وجوجل مجتمعة، لكن الوضع انعكس حاليًا، إذ أصبحت مشتريات هذه الشركات مجتمعة تعادل ضعف حصة أبل.
وأدى الطلب المتزايد من شركات الذكاء الاصطناعي إلى ارتفاع أسعار ذاكرة الفلاش بنحو خمسة أضعاف خلال عام، وفقًا للتقرير، ما منح الموردين فرصة لاستعادة جزء من قوتهم التفاوضية، بل وإبرام عقود توريد طويلة الأجل بأسعار أعلى مع شركات التكنولوجيا الكبرى.
وتشير تقديرات «تك إنسايتس» إلى أن فاتورة أبل لشراء ذاكرة الفلاش قد ترتفع إلى نحو 25 مليار دولار خلال عام 2026، مقارنة بنحو 6 مليارات دولار في 2025، رغم شراء الشركة كميات متقاربة تقريبًا.
ارتفاع التكلفة يهدد أرباح أبل
ولا تتوقف تداعيات تغير موازين القوة عند زيادة تكلفة المكونات، بل تمتد إلى أحد مصادر الأرباح المهمة لأبل، وهو بيع سعات التخزين الإضافية في هواتف آيفون وأجهزتها الأخرى، وأوضح تحليل وول ستريت جورنال أن تكلفة الذاكرة التي تحتاجها أبل لتوفير الترقية من سعة 256 جيجابايت إلى 512 جيجابايت في هاتف آيفون 18 برو ارتفعت إلى نحو 66 دولارًا، مقابل 15 دولارًا في الجيل السابق، بينما لا تزال الشركة تبيع هذه الترقية للمستهلكين مقابل 200 دولار.
وبحسب التقديرات نفسها، تراجع إجمالي الربح الذي تحققه أبل من هذه الترقية إلى 134 دولارًا، مقارنة بنحو 185 دولارًا في هاتف آيفون 17 برو، وهو ما يعكس تأثير ارتفاع أسعار المكونات حتى على هوامش الربح التي اعتادت الشركة تحقيقها، وفي ردها على التقرير، قالت أبل إنها عملت مع العديد من مورديها لعقود، وإنها تقدر بشدة الشراكات التي تجمعها بهم، مؤكدة تطلعها إلى مواصلة التعاون معهم.
وهكذا، يبدو أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تخلق منافسة جديدة على الرقائق والذاكرة فحسب، بل أعادت رسم موازين القوة داخل واحدة من أهم سلاسل التوريد في صناعة التكنولوجيا، لتجد أبل نفسها أمام موردين لم يعودوا مضطرين إلى قبول شروطها السابقة، بعدما أصبح أمامهم مشترون جدد يمتلكون القدرة والاستعداد لدفع أسعار أعلى.
- جوجل تنضم إلى أوبن إيه آى لحماية محتوى المواقع من تدريب الذكاء الاصطناعى
- انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعى فى الصين.. خسائر بـ480 مليار دولار
- إيلون ماسك يحذر من انهيار شركات الذكاء الاصطناعى الصغيرة
- جيمس جراى: الذكاء الاصطناعى لا يمثل تهديدًا للمبدعين والإنسان سر السينما
- تراجع سندات شركات الذكاء الاصطناعى يثير مخاوف بشأن تمويل التوسعات الضخمة





