إن رواية مصر مع التنمية والبقاء رواية تستحق أن يرويها التاريخ على مدار السنوات والقرون القادمة. فقد وُلدت من رحم التحديات، وعاشت وسطها، وخاضت أمة معركة البقاء حتى وصلت إلى مرحلة من النضج والقدرة على تجاوز أزماتها والتفوق على ذاتها.
وليس في هذا الوصف إطراء نكتبه بدافع الانحياز إلى وطننا، فالنظر إلى ما أحاط بمصر من أحداث وتحديات خلال السنوات الماضية يكشف عن صلابة هذا الوطن وقدرته على الصمود في ظروف بالغة التعقيد.
بدأت التحديات أمنية واقتصادية ومجتمعية في الداخل، ثم امتدت الصراعات العسكرية واشتعلت في محيطنا الإقليمي. وفي هذا السياق، جاءت دعوة الرئيس السيسي إلى انعقاد منتدى مصر 2026، وهي دعوة أرى أن وراءها أكثر من هدف.
ففي ظاهر الأمر، قد يبدو المنتدى وكأنه كشف حساب تقدمه الدولة للمواطن عما بُذل خلال اثنتي عشرة سنة، لكنني أراه أيضًا فرصة لتحديد مسار المستقبل ورسم خريطة طريق للسنوات المقبلة، وإرساء قواعد دولة ناضجة قادرة على الصمود أمام التحديات.
فأداء الدول لا يُقاس بحجم الإنجازات وحده، إنما بقدرتها على مواصلة التنمية وتحقيق الاستدامة، وهي من الأهداف التي تتبناها الأمم المتحدة. ومن هنا تأتي أهمية تقييم ما تحقق، وقياس أثره المباشر على حياة المواطن، ثم تحديد أولويات المرحلة المقبلة وترجمة الطموحات إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
والمنتدى الذي تستضيفه العاصمة الجديدة يمكن أن يكون مساحة يلتقي فيها صانع القرار بالمواطن والإعلامي والخبير، لتُطرح الرؤية المصرية من زوايا مختلفة، وتُناقش الأولويات على ضوء ما تحقق وما لا يزال يحتاج إلى جهد.
وفي ظل المتغيرات العالمية المتسارعة، تصبح مراجعة مسار التنمية وتحديث السياسات الاقتصادية والسياسية والعامة ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. فهناك ملفات تستحق أن تتصدر النقاش، منها ترشيد استخدام الموارد وحسن إدارتها، وضمان تحول الخطط الوطنية طويلة المدى إلى نتائج يلمسها المواطن، وتعزيز النمو الإنتاجي، وتوسيع القاعدة الصناعية، وجذب الاستثمارات، وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد المصري، وصولًا إلى توطين الصناعات.
وهناك محور آخر لا يقل أهمية، وهو بناء الإنسان وإعداد الكوادر المؤهلة لقيادة المؤسسات وتحمل المسئولية. وأعتقد أن القيادة المصرية باتت تدرك أهمية هذا الملف، وتملك إرادة حقيقية لإعداد كوادر قادرة على خدمة الدولة في مختلف المجالات.
وقد تعلمنا من تجارب سابقة أن غياب الكوادر المؤهلة، سياسيًا وعلميًا وإداريًا، قد يترك فراغًا في المجتمع ومؤسسات الدولة، وهو فراغ يمكن أن تستغله تنظيمات تمتلك القدرة على الحشد والتنظيم، رغم ابتعاد أفكارها عن طبيعة المجتمع المصري. وفي تقديري، كانت الفترة بين عامي 2011 و2013 درسًا واضحًا في خطورة هذا الفراغ وتداعياته.
وأرى، كذلك، أن الدولة المصرية تتجه إلى صياغة ما يمكن تسميته «بروتوكولات الثوابت المصرية»، أي مجموعة من القواعد والسياسات المستقرة التي تحفظ مقدرات الأمة وتضمن استمرارية مؤسساتها، مهما تغير الأشخاص أو تعاقبت القيادات.
فالدولة القوية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على العمل والاستمرار، وإلى ثوابت وطنية تحمي مصالحها العليا، وتضمن ألا تتوقف مسيرة البناء بتغير المسؤولين. وهذه، في اعتقادي، إحدى أهم القضايا التي ينبغي أن تشغل النقاش حول مستقبل الدولة المصرية.
ومن هنا، فإن رهاني الأساسي على منتدى مصر 2026 أن يكون بداية لتقليد وطني مستمر، وأن تتبعه نسخ أخرى تراجع ما تحقق، وتناقش ما تعثر، وتعيد ترتيب الأولويات وفق احتياجات الدولة والمواطن.
فالقيمة الحقيقية للمنتدى ستظهر في قدرته على المساهمة في صياغة أولويات السنوات القادمة، وفيما يمكن أن يتحول من نقاشاته وتوصياته إلى سياسات ونتائج ملموسة.
- منتدى مصر 2026.. بناء الإنسان وتعزيز الاستثمار على رأس أولويات التنمية المستدامة
- كريم عبدالباقي: "منتدى مصر 2026" منصة لتعزيز الحوار المجتمعي والاستماع لتطلعات المواطنين
- مصدر بالتموين: المشاركة في "منتدى مصر 2026" تستهدف تعزيز الأمن الغذائي وضبط الأسواق
- مجدي البدوي: الاصطفاف الوطني ضرورة لمواجهة التحديات واستكمال مسيرة التنمية
- خبير اقتصادي: منتدى مصر 2026 منصة تخطيطية تهدف لصياغة برنامج إصلاح بصبغة وطنية خالصة






