دخلت السياسات المناخية الأوروبية مرحلة جديدة من الجدل بشأن مستقبل صناعة الطيران، في ظل الخلاف حول نطاق تطبيق نظام تداول الانبعاثات الأوروبي "EU ETS"، ومدى توافقه مع نظام تعويض وخفض الكربون للطيران الدولي "CORSIA"، الذي أقرته منظمة الطيران المدني الدولي "إيكاو" باعتباره إطارًا عالميًا للتعامل مع انبعاثات الطيران الدولي.
وفي هذا السياق، حذر توماس رينارت، نائب الرئيس الأول للشئون الخارجية في الاتحاد الدولي للنقل الجوي "إياتا"، من أن توسيع نطاق النظام الأوروبي ليشمل رحلات تمتد إلى مسافة 5 آلاف كيلومتر خارج حدود الاتحاد الأوروبي قد يفرض أعباء مالية إضافية على قطاع الطيران والاقتصاد الأوروبي.
وقدر رينارت، في مقاله المنشور في 16 أكتوبر 2026، أن هذا التوجه قد يكلف تنافسية الاقتصاد الأوروبي نحو 280 مليار يورو خلال الفترة من 2027 إلى 2040، معتبرا أن هذه التكلفة تستدعي تقييما دقيقا للعائد البيئي المتوقع مقارنة بالأعباء الاقتصادية والتنظيمية.
وتعبر هذه الأرقام عن تقديرات وموقف "إياتا" من المقترح، وليست حصيلة اقتصادية محققة أو تقييمًا مستقلًا متفقًا عليه.
"CORSIA".. إطار عالمي لخفض انبعاثات الطيران
يستند موقف "إياتا" إلى أهمية وجود نظام دولي موحد لتنظيم انبعاثات الطيران الدولي، بالنظر إلى طبيعة الصناعة التي تربط بين دول وأسواق متعددة، ويصعب فصل عملياتها عن القواعد العالمية المنظمة للنقل الجوي.
وأشار رينارت إلى مرور عشر سنوات على الاتفاق على نظام "CORSIA"، موضحًا أن النظام من المتوقع أن يغطي نحو 85% من انبعاثات الطيران الدولي اعتبارا من عام 2027، وفقًا لتقديرات المقال، مع إمكانية تعبئة أكثر من 100 مليار يورو لتمويل العمل المناخي على مدار فترة تطبيقه.
ويقوم النظام على آلية عالمية لتعويض الزيادة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الطيران الدولي، وفق قواعد محددة، بينما يعمل نظام تداول الانبعاثات الأوروبي من خلال تسعير الكربون ووضع التزامات امتثال للقطاعات والأنشطة المشمولة به.
ويرى رينارت أن توسيع نطاق النظام الأوروبي على رحلات مشمولة بالفعل في الإطار العالمي قد يؤدي إلى تداخل المتطلبات التنظيمية، وزيادة تكاليف الامتثال، وإضعاف اتساق القواعد الدولية المنظمة للطيران.
خلاف حول الجدوى البيئية والتكلفة الاقتصادية
ويتركز اعتراض "إياتا" على أن زيادة الأعباء المالية لا تضمن، في حد ذاتها، تحقيق خفض إضافي للانبعاثات يتناسب مع التكلفة المفروضة على الشركات والاقتصاد.
ووفقا للمقال، لم تُقدم دراسة تثبت أن التوسع المقترح سيؤدي إلى تحسين الأداء البيئي بما يبرر تقديرات التكلفة التي أوردها الاتحاد.
وفي المقابل، تظل المفاضلة بين النظامين مرتبطة بتصميم القواعد وآليات احتساب الانبعاثات والالتزامات الواقعة على الرحلات المختلفة، فضلًا عن قدرة السياسات على تحقيق خفض فعلي وقابل للقياس في الانبعاثات.
ولا يعني الاعتراض على تداخل الأنظمة رفض شركات الطيران تحمل تكلفة انبعاثاتها؛ إذ يؤكد رينارت أن القطاع يتحمل بالفعل تكاليف مرتبطة بالكربون، وأن هذه التكاليف مرشحة للارتفاع مع تطور السياسات المناخية.
لكن "إياتا" ترى أن تحقيق نتائج بيئية أكثر فاعلية يتطلب تجنب تجزئة القواعد العالمية، وتوجيه الموارد نحو الحلول التي تسهم مباشرة في خفض الانبعاثات.
وقود الطيران المستدام في قلب المعادلة
ويضع المقال وقود الطيران المستدام "SAF" في صدارة الحلول التي ينبغي أن تحظى بدعم السياسات الأوروبية، مع التركيز على زيادة الإنتاج وتقليل فجوة التكلفة بين الوقود المستدام ووقود الطائرات التقليدي.
وتتمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام التوسع في استخدام هذا الوقود في محدودية الإمدادات وارتفاع تكلفته، ما يجعل زيادة الإنتاج وتطوير سلاسل التوريد وتوفير حوافز استثمارية عناصر مهمة لتسريع التحول.
ومن هذا المنطلق، تدعو "إياتا" إلى توجيه مزيد من الموارد نحو إنتاج الوقود المستدام، وإعادة استثمار جزء من عوائد سياسات الكربون في حلول خفض الانبعاثات، بدلًا من الاكتفاء بزيادة الأعباء التنظيمية على الشركات.
كما تطرح الجمعية آلية "الحجز والمطالبة" (Book-and-Claim)، التي تتيح احتساب المنافع البيئية لشراء الوقود المستدام بصورة منفصلة عن موقع التزود الفعلي به، وفق قواعد تضمن الشفافية ومنع احتساب المنافع نفسها أكثر من مرة.
التحدي: تحقيق أهداف المناخ دون إضعاف التنافسية
وتكشف هذه القضية عن معادلة معقدة تواجه صانعي السياسات الأوروبيين، تتمثل في ضرورة خفض انبعاثات الطيران من جهة، والحفاظ على قدرة شركات الطيران على المنافسة والاستثمار وتوسيع شبكاتها من جهة أخرى.
وبينما ترى "إياتا" أن توحيد الأطر التنظيمية عالميا يوفر أساسًا أكثر اتساقًا لصناعة الطيران، فإن نجاح السياسات المناخية يظل مرتبطًا بقدرتها على تحقيق تخفيضات فعلية في الانبعاثات، وتشجيع الابتكار، وتوفير بدائل أكثر استدامة بأسعار تنافسية.
ومن ثم، يدعو رينارت إلى مراجعة السياسات الأوروبية بما يضمن اتساقها مع الإطار العالمي، وتعزيز الاستثمارات في الوقود المستدام، وتجنب الأعباء المتداخلة التي قد ترفع التكلفة دون إثبات عائد بيئي إضافي يتناسب معها.
ويبقى الاختبار الأساسي أمام أوروبا هو صياغة سياسة مناخية تجمع بين الطموح البيئي والجدوى الاقتصادية، بما يسمح لصناعة الطيران بالمضي في مسار خفض الانبعاثات مع الحفاظ على دورها في دعم التجارة والسياحة والاتصال العالمي.
- تراجع هامش الربح لـ3.1%.. «إياتا» تحذر من تراجع تنافسية الطيران الأوروبي
- السفير وائل حامد: حجم التبادل التجاري بين مصر والاتحاد الأوروبي بلغ 32 مليار يورو - الفجر سبورت
- مصر والاتحاد الأوروبي يرسخان شراكتهما الاقتصادية نحو مزيد من الاستثمارات والتكامل الإقليمي - الفجر سبورت
- مصر والاتحاد الأوروبي.. شراكة اقتصادية قوية تعززها الاستثمارات والتفاهم الاستراتيجي - الفجر سبورت
- المجر ترفض دفع غرامات اللجوء للاتحاد الأوروبي والأخير يقرر استعادة الأموال



