في تطور قد يغيّر بعض طرق التعامل مع الأورام، يعمل باحثون في جامعة ميشيجان الأمريكية على توسيع استخدام تقنية «هيستوتريبسي» (Histotripsy)، التي تعتمد على موجات فوق صوتية مركزة لتفتيت الأنسجة السرطانية ميكانيكيًا، دون الحاجة إلى شق جراحي للوصول إلى الورم أو الاعتماد على الحرارة لتدميره.
وتستهدف التقنية إحداث تأثير ميكانيكي دقيق داخل الأنسجة، من خلال تكوين فقاعات مجهرية تنهار بسرعة، فتؤدي إلى تفكيك الخلايا والأنسجة المستهدفة. وعلى عكس تقنيات الاستئصال الحراري، مثل بعض تطبيقات الترددات الراديوية والموجات الميكروية، لا تعتمد الهيستوتريبسي على تسخين الورم.
ووفقًا لجامعة ميشيجان، حصل نظام «إديسون» (Edison)، الذي طورته شركة HistoSonics، على تصريح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) في أكتوبر 2023 لعلاج أورام الكبد، ما يمثل خطوة مهمة في انتقال التقنية من الأبحاث إلى الاستخدام السريري.
كيف تفتّت الموجات الصوتية الخلايا السرطانية؟
ـ تعتمد تقنية الهيستوتريبسي على توجيه نبضات فوق صوتية عالية الشدة إلى منطقة محددة داخل الورم، لتوليد ظاهرة تُعرف باسم «التجويف الصوتي» (Acoustic Cavitation).
ـ تؤدي هذه الظاهرة إلى تكوين فقاعات صغيرة تتمدد ثم تنهار بفعل الموجات الصوتية، مولدة قوى ميكانيكية قادرة على تفتيت الأنسجة المستهدفة. وبعد العلاج، يتعامل الجسم مع الحطام الخلوي الناتج عن تفكك الأنسجة.
ـ تُوجَّه الموجات باستخدام أنظمة تصوير وتخطيط متخصصة، بما يساعد الفريق الطبي على تحديد المنطقة المراد علاجها وتقليل التأثير على الأنسجة المحيطة. ومع ذلك، لا يعني الاستهداف الدقيق انعدام مخاطر إصابة الأنسجة السليمة تمامًا.
ووفقًا لموقع Michigan Medicine، يُجرى العلاج عادةً تحت التخدير العام، وقد يعود بعض المرضى إلى منازلهم في اليوم نفسه، لكن ملاءمة الإجراء تعتمد على خصائص الورم وموقعه وحالة المريض.
من أورام الكبد إلى البنكرياس والثدي والدماغ
لم تتوقف الأبحاث عند أورام الكبد، ففي سبتمبر 2026، أعلنت جامعة ميشيجان إطلاق مركز متخصص في أبحاث الهيستوتريبسي، بهدف تطوير التقنية ودراسة تطبيقاتها المحتملة في أنواع أخرى من الأورام.
ووفقًا للبيان المنشور على موقع كلية الهندسة بالجامعة، تشمل المجالات البحثية أورام البنكرياس والثدي والبروستاتا والغدة الدرقية والدماغ والجلد، إلى جانب الساركوما، مع إجراء أبحاث قبل سريرية ودراسات على عينات أنسجة بشرية.
لكن هذه المجالات لا تزال في مراحل بحثية مختلفة، ولا يعني إدراجها ضمن برنامج الأبحاث أن التقنية أصبحت معتمدة لعلاج تلك الأورام لدى البشر.
هل يمكن أن تساعد التقنية جهاز المناعة على مقاومة السرطان؟
تدرس فرق بحثية أيضًا تأثير تفتيت الورم على استجابة الجهاز المناعي، إذ قد يؤدي تحلل الخلايا السرطانية إلى إطلاق مستضدات وإشارات التهابية تساعد الجهاز المناعي على التعرف على الخلايا السرطانية.
وفي تقرير نشرته Michigan Medicine في يونيو 2025، تناول الباحثون مؤشرات على تنشيط استجابات مناعية بعد علاج أورام الكبد، مع اهتمام بدراسة ما إذا كان هذا التأثير قد يساعد في التعامل مع أورام بعيدة عن موضع العلاج.
ومع ذلك، لا تزال إمكانية تحويل هذا التأثير إلى فائدة علاجية ثابتة لدى المرضى تحتاج إلى مزيد من الدراسات، ولا يمكن اعتبار الهيستوتريبسي بديلًا شاملًا للعلاج المناعي أو الكيميائي أو الإشعاعي.
ما حدود التقنية حتى الآن؟
تُستخدم الهيستوتريبسي سريريًا في علاج أورام الكبد ضمن نطاقات محددة، لكن ليس كل ورم مناسبًا لها؛ فالحجم والموقع والعلاقة بالأوعية الدموية والتراكيب الحيوية عوامل تؤثر في اختيار المرضى.
كما أن الدراسات السريرية المتاحة ما زالت تحتاج إلى متابعة أطول وأبحاث أكبر لتحديد النتائج طويلة المدى، ومقارنة فعاليتها بالعلاجات الأخرى، وتوضيح أفضل الحالات التي يمكن أن تستفيد منها.
وتتمثل أهمية التقنية في تقديم طريقة غير جراحية وغير حرارية لتدمير أنسجة مستهدفة، بينما يظل توسيع استخدامها إلى أنواع أخرى من السرطان هدفًا بحثيًا يحتاج إلى إثبات السلامة والفعالية قبل اعتماده طبيًا.





