حذّرت الدكتورة رانيا المشاط، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، من تداعيات النزاعات المسلحة على المنطقة العربية، مشددة على أن أمن الشرق الأوسط لم يعد رهناً للتوازنات العسكرية وأن التنمية والتكامل الاقتصادي ركيزتان لاستقرار المنطقة.
جاء ذلك خلال مشاركة المشاط في الجلسة العامة تحت عنوان «أجندة اقتصادية جديدة – من إعادة الإعمار والتنمية إلى الازدهار»، ضمن فعاليات «قمة الأمن الإقليمي.. حوار المنامة 2026» في دورتها الثانية والعشرين، التي تنظمها وزارة الخارجية البحرينية بالتعاون مع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) بمملكة البحرين، لمناقشة قضايا الأمن والدفاع والسياسة الخارجية بمنطقة الشرق الأوسط وانعكاساتها الدولية.
«المشاط» أمام «قمة الأمن الإقليمي .. المنامة 2026»
ولفتت المشاط إلى أن المنطقة العربية شهدت أكثر من 40% من وفيات النزاعات عالمياً في 2025، مشددة على أن مفهوم الأمن في الشرق الأوسط لم يعد من الممكن اختزاله في مفاهيم الردع والحدود وموازين القوى العسكرية.
وأكدت أن الأمن الحقيقي يرتبط بقدرة المجتمعات والاقتصادات على التعافي والاستثمار والتجارة وخلق فرص العمل، وتوفير مستقبل موثوق للمواطنين.
أجندة ترميم الاقتصادات العربية
ورأت المشاط أن الأجندة الاقتصادية الجديدة للمنطقة العربية ينبغي أن تنتقل من إعادة الإعمار إلى ترميم الاقتصادات والقدرات الإنتاجية، وصولاً إلى الازدهار باعتباره استراتيجية للأمن الإقليمي، موضحة أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على استعادة ما كان قائماً قبل النزاعات، إنما ينبغي أن تمثل فرصة لتعزيز المؤسسات وتحسين قدرتها على إدارة البنية التحتية واستدامة الخدمات.
3 ركائز لاستدامة إعادة الإعمار
وحددت المشاط ثلاثة عناصر مترابطة لاستدامة إعادة الإعمار في مناطق النزاع في المنطقة العربية، تتمثل في استعادة القدرة الاقتصادية والإنتاجية، وإعادة بناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة، وإعادة ربط الاقتصادات المتأثرة بالنزاعات بالأسواق الإقليمية وشبكات البنية التحتية.
وقالت المشاط، إن إعادة الإعمار وحدها لا تكفي لتحقيق ازدهار مستدام ما لم تتم معالجة التداعيات العميقة والممتدة للنزاعات، مشيرة إلى أن المنطقة العربية تتحمل نصيباً غير متناسب من الصراعات والأزمات الإنسانية والمعاناة البشرية.
81 مليونًا يحتاجون للمساعدات
ولفتت المشاط إلى أن أكثر من 40 في المائة من الوفيات المرتبطة بالنزاعات على مستوى العالم وقعت في المنطقة العربية خلال عام 2025، فيما يعيش واحد من كل ثلاثة أشخاص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في العالم داخل المنطقة، وفق تقديرات عام 2026.
وأضافت أن عدد من يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية في المنطقة ارتفع من 76 مليون شخص عام 2025 إلى 81 مليوناً في 2026، رغم تراجع الاحتياجات الإنسانية عالمياً، لافتة إلى أن ما يقرب من ثلث النازحين قسراً في العالم ينحدرون من دول عربية.
«المشاط» أمام «قمة الأمن الإقليمي .. المنامة 2026»
وأوضحت أن النزاعات المتكررة والممتدة لا تقتصر آثارها على الخسائر البشرية وتدمير الأصول والخدمات الأساسية، بل تُحدث أضراراً تراكمية في التعليم وسبل العيش والقدرات المؤسسية، بما يقوض فرص التعافي ويؤخر تحقيق التنمية والازدهار في المستقبل.
شرط تحقيق التنمية
وفي رسالتها الثانية، شددت المشاط على أن كسر دائرة النزاعات وتجنب استمرار المنطقة في حالة «لا حرب ولا سلام» يمثلان شرطاً مسبقاً لتحقيق التنمية والازدهار، محذرة من أن الصراعات الممتدة تعمق المعاناة الإنسانية وتبقي النزوح القسري والاحتياجات الإنسانية عند مستويات مرتفعة.
4 مليار دولار مساهمات المانحين
وأشارت إلى أن مساهمات المانحين العرب لصالح تسع دول عربية متأثرة بالنزاعات بلغت نحو 4 مليارات دولار خلال عام 2025، بما يعادل 38 في المائة من إجمالي التمويل الإنساني، موضحة أن نحو 93 في المائة من هذه المساهمات جاءت من ثلاث دول هي الإمارات العربية المتحدة وقطر والسعودية.
وقالت إن تصاعد الاحتياجات الإنسانية في ظل الهشاشة المستمرة يؤدي إلى تحويل موارد ثمينة بعيداً عن جهود التنمية، مؤكدة أن إنهاء القتال لا يعني بالضرورة بناء السلام؛ إذ ينبغي أن يكون الهدف حل النزاعات ومعالجة أسبابها الجذرية، بدلاً من السماح باستمرارها في حالة هشة بين الحرب والسلام.
سلام المنطقة ليس شأنًا إقليميا
وأضافت أن تحقيق سلام دائم يتطلب تحركاً متزامناً على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية، مشيرة إلى أن التقدم على مستوى واحد لا يمكن أن يستمر من دون إحراز تقدم على المستويين الآخرين.
وأكدت أن السلام في العالم العربي «ضرورة عالمية وليس مجرد شأن إقليمي»، لأن ما يحدث في المنطقة تتجاوز تداعياته حدودها، ولا يوجد جزء من العالم بمنأى عن ارتدادات نزاعاتها.
والازدهار الاقتصادي في صلب الأمن
وفي رسالتها الثالثة، دعت المشاط إلى وضع الازدهار الاجتماعي والاقتصادي في قلب أجندة الأمن، مؤكدة أنه ليس مجرد عنصر مكمل للاستقرار، بل ركيزة أساسية له.
ولفتت إلى أن بطالة الشباب وضعف الخدمات العامة والاقتصادات غير المشروعة والإقصاء تخلق مواطن هشاشة يمكن للجماعات المسلحة استغلالها في الدول المتأثرة بالنزاعات.
وشددت على ضرورة أن تربط الأجندة الاقتصادية ذات المصداقية بين استقرار الاقتصاد الكلي والتحسن الملموس في حياة المواطنين اليومية، من خلال توفير فرص العمل والسكن والتعليم والرعاية الصحية وإتاحة الخدمات الرقمية، إلى جانب دعم الاقتصادات المحلية القادرة على العمل والإنتاج.
«المشاط» أمام «قمة الأمن الإقليمي .. المنامة 2026»
وأوضحت أن تحقيق عوائد اقتصادية مبكرة في مرحلة ما بعد النزاعات والبيئات الهشة يمثل عنصراً ضرورياً للحفاظ على التسويات السياسية، محذرة من أن غياب التحسن في سبل معيشة المواطنين خلال فترة زمنية معقولة يؤدي عادة إلى تآكل صبر المجتمعات.
«منفعة عامة إقليمية»
وفي سياق حديثها عن الترابط الإقليمي، قالت المشاط إن النزاعات الأخيرة كشفت هشاشة طرق التجارة الاستراتيجية في المنطقة، مشيرة إلى أن الاضطرابات في البحر الأحمر وباب المندب أظهرت كيف يمكن لعدم الاستقرار أن يؤثر في حركة الشحن العالمية، ويرفع تكاليف النقل، ويعطل سلاسل الإمداد، حتى خارج الدول المتضررة مباشرة من النزاعات.
وشددت على أن تنويع شبكات النقل والطاقة وربطها ببعضها يمثل ضرورة لتعزيز قدرة المنطقة على مواجهة الأزمات، من خلال تحسين التكامل بين الموانئ والسكك الحديدية والطرق والمراكز اللوجيستية، وتوفير مسارات بديلة تضمن استمرار النشاط الاقتصادي خلال فترات الاضطراب.
وأكدت ضرورة تصميم الترابط الاقتصادي باعتباره «منفعة عامة إقليمية»، موضحة أن الممرات التي تربط الاقتصادات لا تسهم فقط في تسهيل حركة التجارة، بل يمكنها أيضاً خلق حوافز للاستقرار وتقليل التعرض للصدمات.
ودعت إلى بناء جغرافيا اقتصادية إقليمية متكاملة تشمل ممرات التجارة والموانئ والربط بين شبكات الطاقة والبنية التحتية الرقمية ومسارات الأمن الغذائي وأطر تنقل العمالة، بما يعزز الروابط بين دول الخليج وبقية مناطق الإقليم.
دمج سوريا والعراق ولبنان اقتصادياً
وفي إشارة إلى الاقتصادات المتضررة من النزاعات، شددت المشاط على أهمية توظيف الترابط الإقليمي لدعم التعافي وإعادة دمج هذه الاقتصادات في النشاط الاقتصادي، مشيرة إلى أن استعادة روابط النقل والطاقة والتجارة مع دول مثل سوريا والعراق ولبنان يمكن أن تسهم في تسهيل إعادة الإعمار، وتحسين الوصول إلى الأسواق، ودعم الاستثمار الإنتاجي، مع مراعاة الظروف الأمنية والمؤسسية القائمة.
وأضافت أن المبادرات الناشئة لتعزيز اتصال المنطقة بالأسواق العالمية تتيح فرصاً للتنمية، لكن إسهامها يتوقف على قدرتها على استكمال البنية التحتية القائمة، وربط الاقتصادات المتجاورة، وتوليد منافع اقتصادية أوسع، مؤكدة أن بناء الممرات الاقتصادية الإقليمية لا ينبغي التعامل معه باعتباره مشروعاً معزولاً.
تعزيز التكامل الاقتصادي
ودعت المشاط إلى تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي من خلال تنسيق الاستثمارات والتعاون التنظيمي والترابط الإنتاجي، محذرة من أن الاستثمار في البنية التحتية وحده لا يكفي لتحقيق كامل فوائد الترابط بين اقتصادات المنطقة.
وأوضحت أن تشتت اللوائح والإجراءات الحدودية ومحدودية التوافق بين الأنظمة لا تزال تفرض قيوداً على التجارة والاستثمار الإقليميين، رغم الاستثمارات الكبيرة في الموانئ والخدمات اللوجيستية والبنية التحتية للنقل.
وأكدت أن الأولويات تشمل تيسير التجارة، ومواءمة المعايير، وتحقيق التوافق بين أنظمة النقل والأنظمة الرقمية، ورفع كفاءة الإجراءات العابرة للحدود، بما يضمن تكامل المبادرات الوطنية وتعزيز أثرها الاقتصادي المشترك.
ربط إقليمي لشبكات الطاقة
ولفتت إلى أن الربط الإقليمي لشبكات الطاقة يوفر فرصاً مهمة لتعزيز أمن الطاقة والمرونة الاقتصادية، من خلال توسيع تجارة الكهرباء، ودمج مصادر الطاقة المتجددة، وتحسين موثوقية الشبكات، بما يقلل مواطن الضعف ويدعم التنويع الاقتصادي والتعافي.
بناء سلاسل قيمة إقليمية
وشددت على ضرورة ألا تقتصر القيمة الاقتصادية لاستثمارات الترابط على العبور والخدمات اللوجيستية، بل أن تُقاس أيضاً بمدى إسهامها في بناء سلاسل القيمة الإقليمية، ودعم التنمية الصناعية والاستثمار الخاص وتوفير فرص العمل والفرص الاقتصادية للدول المجاورة، بما فيها الدول المتأثرة بالنزاعات.
مساران متكاملان
وفي ختام كلمتها، أكدت المشاط ضرورة التعامل مع الأمن والاقتصاد باعتبارهما مسارين متلازمين، مشيرة إلى أنه لا يمكن الفصل بين وقف إطلاق النار والتسويات السياسية وإعادة الإعمار باعتبارها مراحل مستقلة، إذ غالباً ما تحتاج الثقة الاقتصادية إلى أن تبدأ قبل اكتمال العمليات السياسية الرسمية.
وقالت المشاط إن التكامل الاقتصادي الإقليمي يمكن أن يسرّع التعافي ويعزز قدرة المنطقة على مواجهة الصدمات المستقبلية، لافتة إلى أن تقييمات الإسكوا تظهر أن تداعيات النزاعات تنتقل سريعاً عبر أسواق الطاقة المترابطة وطرق التجارة البحرية وسلاسل الإمداد والأنظمة المالية، ما يجعل تعزيز الترابط الإقليمي ضرورة استراتيجية.
وأضافت: «إذا كان القرن العشرون قد علمنا أن الأمن من دون تنمية هش، فإن التحدي أمامنا اليوم هو إثبات أن التنمية من دون تكامل إقليمي تظل غير مكتملة».
واختتمت بالتأكيد أن إعادة الإعمار يمكن أن تعيد بناء ما دمرته الحروب، لكن التنمية المؤسسية والازدهار المشترك وحدهما قادران على بناء مقومات السلام، مشددة على أن التحدي الاستراتيجي أمام المنطقة العربية لا يتمثل فقط في تطوير ممرات اقتصادية جديدة، بل في ضمان تكامل المبادرات القائمة والناشئة، وتعزيز المرونة وتوليد فرص مشتركة، مع عدم ترك الاقتصادات المتأثرة بالنزاعات خلف الركب.
- مؤسسة راعي مصر تشارك في زيارة مستفيدات «أمل جديد» لمعرض «أجرينا الشرق الأوسط 2026»
- صندوق النقد:مصر تخالف توقعات الإنكماش الإقليمي ..ومعدلات النمو وصلت 5.1%
- جمال عبد الجواد: مصر اختارت عدم الانعزال عن تحولات الشرق الأوسط
- استعان بمقولة شهيرة لزعيم صيني.. حكاية مقال مهم كتبه هيكل قبل حرب أكتوبر بيوم واحد
- واشنطن وإدارة التفوق: حين يُصاغ أمن الشرق الأوسط على مقاس إسرائيل وتتآكل الشراكات العربية - الفجر سبورت






